الأربعاء، 29 أغسطس 2012




مشروع كتاب لم يكتمل او يراجع بعد 

قســـــــــــوة النيران

جمـــال ياقــــوت

رغم أن الحدث يتكرر في نفس الموعد؛ إلا أن العام الحالي يختلف عما سبقه من أعوام قوامها أربعة عشر، إن المهرجان الختامي لمسابقة نوادي المسرح هذا العام قدر له أن يشهد إحالة الأب الروحي للتجربة إلي التقاعد و يالها من كلمة جافة حمقاء تلك التي تزج بالمبدعين العطائين خارج نافذة الضوء، لكن هيهات أن تنال البيروقراطية و نظمها الجامدة من روح الفنانين.

      
  التقي الأحبة علي مقهي صغير علي ترعة المريوطية للإعداد لتكريم يليق بالفنان و الاب  الانسان سامي طه،  لقد سافر الجميع عبر مسافات طويلة حباً لهذا الفنان الإنسان فمن المنيا حمل حمدي طلبة أفكاره الجميلة و القي بها علي منضدة المقهي و من الفيوم جاء عزت زين بسلال افكار رائعة و لم يتواني حمدي حسين من قطع المسافات الطويلة للحاق بصبحي السيد الذي جاء متأخرأ رغم انه يسكن علي بعد خطوتين من موقع الاجتماع و لم يسلم بالطبع من قفشات حسن عبده التي كان دائماً ما يختتمها بضحكته العالية المميزة تلك الضحكة التي يلقي معا جسده إلي الوراء لنحتضن جميعأ قهقهاته الراقصة ، كنت أنا أول الحاضرين رغم انني قادم من الاسكندرية، وقبل الاجتماع بأيام كانت رحي الحوارات تدور علي أشدها علي الانترنت ما بين مؤمن عبده بدبلوماسيته المعهودة و حسني ابو جويلة بدعوته للجميع بالتعقل و التريث  ولم يلبث أن اسفر اجتماع المريوطية عن بلورة أفكار التكريم و كلفت أنا من ضمن ما كلفت به أن أقوم بإخراج فيلم تسجيلي  عن تجربة النوادي و من عاصروها وقد قام مؤمن باعداد الفيلم وسافرنا سويا و معنا اسلام رضوان إلي القاهرة للتسجيل مع سامي طه و حسن عبده و عدنا الي الاسكندرية لا ننام ليالي طويلة حتي انجزنا الجزء الاكبر من المهمة ثم لممت أجهزتي ووضعتها في السيارة مع حقائب السفر و توجهت أنا و مؤمن و اسلام الي القاهرة حيث قابلنا حسني ابو جويلة و مجدي الحمزاوي عند منطقة الاهرامات و توجه خمستنا الي بني سويف في رحلة كانت القفشات الممتعة هي القاسم الاعظم لحديثنا جميعاً .

        عند مدخل بني سويف أحسست بأن الجو يلفه الظلام الدامس رغم وجود عدد من اللمبات الصغيرة المبعثرة هنا وهناك، وعند وصولنا إلي قصر ثقافة بني سويف كان هناك العديد من الشباب الذين يمثلون القطر بأكمله ، نشاط ، طاقة ،حيوية ، نظرة إلي المستقبل مليئة بالتفاؤل وإلي جوارهم كان الكبار يشحذون عزيمتهم؛ سامي طه،محسن مصيلحي ،صالح سعد، حازم شحاته، و كثيرون غيرهم،  و تجولت الكاميرا برفقتي أنا و مؤمن و اسلام و كمال مع الجميع نسألهم رايهم في سامي طه .
من يري التفاتة الجميع حول هذا الرجل  و احتفائهم الزائد به يظن أنه بطلاً شعبياً اخترق عالم الأساطير ليستقر به المقام علي أرض الكنانة.

        أخذ مؤمن بالمايك و معه المصور السكندري كمال و كان الضيف الاول هو المخرج حمدي حسين  سأل مؤمن الضيف عما يعنيه سامي طه فقال انه الصديق، الاخ، الانسان  الذي يعرف فن ادارة المجموعات و يعرف كيف يصل الي هدفه بشكل جميل بدون مضايقة أحد ثم انتقل مؤمن الي الفنان حسني ابو جوبلة  الذي انفرجت اساريره و قال  " حبيبي " ثم أردف قائلاً "أكتر من كده ما قدرش اقول" ثم انتقل مؤمن الي الناقد مجدي الحمزاوي فقال  "ما عتقدش ان احنا اللي نقدر نتكلم عن سامي طه, كل شيء في مصر بيقول فن يقدر يتكلم عن سامي طه,"  ثم انتقل الي الفنان المخرج الجميل حمدي طلبة الذي قال "الاستاذ سامي طه حبيبنا و حبيبكم وحبيب الحياة" أما عزت زين فقال "أنا بأحبه جداً و بأحترمه" ثم عاد حمدي طلبه و تدخل " العيال اللي في الفرق الصغيرين دول هما معتبرين الراجل ده ابوهم  و لما الراجل ده يمشي رسميا هل ها يمشي عرفيا؟ و عشان كده عاوزين نفكر في حل" ثم تلاقت عينه مع عيني  فاضاف " يا جمال يا ياجوت " ثم انتقل مؤمن الي ياسر يس الذي قال "استاذ سامي احنا بنحبك" ثم تدخلت سامية جمال" يا ياسر  انا باحبه اكتر منك عشان انت بتحبه  وانت موظف في الهيئة لكن انا بحبه وانا ممثلة هاوية فاحس بيه اكتر منك"  ثم تدخل ابراهيم الفرن و محمد شمس "و الله بنحبه يا ناس" ثم تدخلت انا لنغني جميعا اغنيتنا السكندرية له " يا سامي يا حبي آآآآآه آه يا حتة من قلبي آآآآآآآآآآه
أما عبد الناصر حنفي فقال" مبادرته خلت الناس تحاول ان يكون لها رأي و تكون موجودة والنتيجة ان محاولة تكريمه النهاردة بتتم من خلال ناس ملهاش أي مصالح معاه  ناس ما بتعملش ده إلا لأنها بتحبه و مقتنعة باللي بيعمله" و اصطاد مؤمن لحظة تعانق صبحي السيد مع احمد البنهاوي ليلقي بسؤاله وسط حضنهما الدافء و انتم بتسلموا علي بعض كده  سامي طه في دقيقة   قال البنهاوي "استاذي و حبيبي و صاحب فضل عليه وعلي الكتير من جيلي"  أما صبحي السيد فقد قال " الانسان" ثم توجه مؤمن بسؤاله الي السيدة الفاضلة زوجة الاستاذ سامي طه  بمناسبة ان الاستاذ سامي طه يراسك في العمل و البيت استاذ سامي طه في دقيقة  فردت بعفوية تملؤها روح الرومانسية الجميلة " ما ينفعش " – تقصد ان نصف دقيقة لا  تكفي للحديث عن سامي طه – ثم لملمت ضحكتها الجميلة و قالت "انسان جميل، فنان، حساس، و اهل للمسؤليات التي يحملها،بيحب عمله، مخلص، متفان، اعطي حياته للمسرح، و في البيت حنون مخلص،  و ولاد النوادي زي ولاده فعلاً"  أما صلاح السايح  فقال " سامي هو البديل الحقيقي لكل مركز ثقافي اجنبي جاي يسرق حلمنا"  ثم قامت احدي الفتيات باخذ المايك من مؤمن و وجهت اليه السؤال فكان رد مؤمن " سامي طه فنان انسان بيعتبرني ابنه و انا سعيد جدا بلحظات تكريمه"  ثم توجه مؤمن الي الدكتور صالح سعد الذي قال " زميل و صديق عزيز و هو النوادي وروحه هي روح النوادي روحه زي روح شاب صغير من اللي بيخرجوا للنوادي"  و من صالح الي حسن عبده   "سامي مثل اعلي و قدوة " و مرة أخري تدخلت بالأغنية الجماعية " سامي يا حبي يا حتة من قلبي"    و افتخرت بين الجميع انني أخرج فيلماً سينيمائياً من غير ما اقول و لو لمرة واحدة  "اكشن"

       دخلنا الي حفل الافتتاح الذي القي فيه محافظ بني سويف بكلمته فهو صاحب البيت الذي يستضيف زهرة شباب مصر علي أرض محافظته و كذلك قال رئيس الهيئة كلمته و جاء الدور علي صاحب العرس الكبير الاب سامي طه الذي قال كلمة قصيرة فيها الكثير من المعاني الجميلة ، و بعدها بدأت فعاليات المهرجان بعرض لفرقة بني سويف، و قد لفت نظرنا تلك اللوحة التي علقت بداخل المسرح و كتب عليها مهرجان نوادي المسرح التذكاري الخامس عشر وأخذ كل منا يلقي القفشات و النكات علي كلمة تذكاري بدون أن يدور بخلد أحد علي الاطلاق أنه فعلاً سيكون مهرجاناً تذكارياً بكل ما تحمل الكلمة من معني .

         ذهبنا إلي المدرسة الفندقية التي سنقيم بها في المساء عرفت غرفتي و ألقيت بحقائبي علي السرير وسرعان ما غادرت الغرفة التي بدت موحشة رغم ما فيها من اثاث ، و بالرغم من حرارة الجو في الصعيد إلا ان السراير و المكتب و المنضدة المصنوعون جميعاً من الصاج المجلفن أعطي للجميع احساساً قاتماً بالبرودة ، و يبادلنا النكات أنا و صديقي حسن عبده الذي عاد لتوه من معركة ساخنة مع ابراهيم الدسوقي الصحفي و ذلك لأن ادارة المدرسة أعطت لإبراهيم حجرة من الحجرات العشر التي حجزها حسن لضيوفه النقاد وطلب مني حسن أن ننزل لتناول العشاء في المطعم .

          في مدخل المطعم كان نزار سمك يجلس محسن مصيلحي و مدحت ابو بكر و سرعان ما تدخل الصحفي أحمد عبد الحميد بمجرد أن راي حسن عبده يدخل الصالة  ليفض الاشتباك  القائم بين حسن و ابراهيم الدسوقي، في آخر المطعم  لفت انتباهي ترابيزة صغيرة جلست عليها سامية جمال تلعب الطاولة مع ياسر يس و يشجعهما صلاح االسايح و محمد يسري و سعيد العمروسي بينما بدأ اسلام رضوان في الاعداد لفتح عدة الشغل الكومبيوتر والكاميرا وخلافه ومعه ومؤمن وكمال بغية استكمال تتر فيلم تكريم سامي طه ومن حين لآخر كانت الضحات تتعالي  ومن بعيد يأتي ابراهيم الفرن طالبا التركيز من الجميع لانه علي الوشك ان يبدأ بروفة عرضه الذي ينتظره الجميع.

        في اليوم التالي كنت أجلس أنا و حسن عبده ومؤمن عبده و عبد الناصر حنفي في حجرة عبد الناصر نتناول طعام الغذاء و اذا بأحد أفراد مجموعة الإسكندرية يأتي مهرولا ليخبرنا بأن سعيد العمروسي و قع علي الأرض و شجت رأسه فتركت الطعام و جريت و أخذت سعيد في سيارتي  و صحبنا محمد يسري و ياسر يس و محمد بن سعيد العمروسي و ذهبنا الي مستشفي بني سويف العام؛ و كم اتذكر الان تلك الانقباضة الرهيبة التي شعرت بها لحظة دخولي المستشفي خاصة بعد أن رأيت الطريقة الغريبة التي يجري بها العمل في هذه المستشفي فلا أحد يستمع إلي أي شيئ قبل أن تقطع التذكرة ناهيك عن الجولات التي يقطعها المرضي جرياً وراء الأطباء و الممرضين ، وبعد كر و فر و محايلات تم خياطة راس سعيد في ظروف غير آدمية جعلتني لا احتمل البقاء داخل الغرفة فغادرتها أنا وياسر يس و وجدتني أقول له "كان الله في عون مرضي هذه البلد ، إن هذه المستشفي لا تطاق و لا يمكن أن اتخيل نفسي أدخل إلي هذا المكان مها كان المرض الذي اعانيه لأن الموت أفضل من هذا المكان المخيف" و لم أكن أعلم أني سأكون داخله خلال ساعات معدودات نائماً علي فراش أقل ما يوصف به أنه قذر.

         في المساء قدمت فرق بورسعيد عرضين أحدهما في قاعة الفنون التشكيلية لم أحضره من شدة الزحام داخل القاعة و الثاني قدم في المسرح الكبير و قضينا ليلة ممتعة مع ندوة العرضين التي تمت ادارتها بواسطة الفنان بهائي الرغني و الناقد حازم شحاته و الصديق الفنان مؤمن عبده، وقد حدث في هذا اليوم أن تأخر المصور الفوتوغرافي عن تسليم الصور لمدة زادت علي الساعتين فطلب مني الزميل عبد الناصر حنفي ان اقوم بتصوير العروض كلها و تفريغ الصور علي الكمبيوتر الشخصي الخاص بي ثم علي اسطوانة توفيرا للوقت و طلبا لجودة اعلي و قد وافقت علي الفور علي ان يبدا هذه المهمة من عروض اليوم التالي .

       في ظهر الاثنين 5 سبتمبر استيقظنا لنكمل ما بدأناه بالأمس و ما أن انتهينا حتي قررت أنني سوف أنزل لأشتري بعض الاشياء من المدينة لأن المدرسة الفندقية تقع في الصحراء علي الجانب الاخر من النيل و علي السلم قابلني الفنان نزار سمك و طلب مني أن أحضر له لبن رايب و قد تعبت السيارة من اللف و الدوران داخل بني سويف حتي وجدت طلبه و عدنا مسرعين لنكتشف أن جميع العبوات التي اشتريناها كانت منتهية الصلاحية و قلت لنزار "لا تقلق سآخذها معي لنعيدها لهذا البائع النصاب في طريق ذهابنا للمسرح" و افترقنا مؤقتا لتناول طعام الغذاء .

         بعد تناول طعام الغذاء نزلت وأصدقائي السكندريين فوجدنا لجنة التحكيم المكونة من الاستاذ أحمد عبد الحميد و الدكتور محسن مصيلحي و الدكتور مدحت ابو بكرو الاستاذين نزار سمك وحسن عبده وجدناهم منتظرين في فناء المدرسة لتاخر الاتوبيس الذي سيقلهم فوعدتهم بالعودة كي آخذهم بعد توصيل أصدقائي و قد عدت اليهم . بعد أن انطلقت السيارة ذكرني نزار اني لم أحضر عبوات اللبن منهية الصلاحية و طلب مني العودة لأخذها و ارجاعها للبائع فقلت له "مش مشكلة بكرة نبقي نرجعها" و ملأنا جنبات السيارة بالضحكات حتي وصلنا المسرح، وذهبت الي السيارة و اجضرت الكاميرا الخاصة بي ثم اشتريت عشرة اطقم بطاريات لزوم الأيام المقبلة في المهرجان، ثم أخذت الكاميرا و توجهت للمسرح و قمت بتصوير العرض الأول.

         كان عادل حسان يجلس يجواري في الصف الأول من صالة قصر ثقافة بني سويف و لأن العرض لم يكن به ما يكفي من عناصر الجذب فقد ظللنا طوال الوقت كمن يجلس علي نيران ساخنة ، تارة ننتقد التمثيل و تارة نصور الجالسين ، لعب عادل حسان دوراً بارزاً في تحديد أهدافي التصويرية فأشارإلي صالح سعد الذي بدا كمن يشعر بقرب مصيبة ما فكان شارد الذهن ، فأشار عادل علي بأن أصوره وهو في حالته هذه و لم أتردد فقمت من فوري و صورته و عندما انتبه لضوء الفلاش ألقي بابتسامته الجميلة قائلاً " بطل يا ابني ... ماشي .. ما العرض الزفت ده هو اللي هايخليني أنام .... " فابتسمت و غادرته إلي زبائن آخرين و من بعيد كان عادل حسان يتابعني فاشار إلي مؤمن و هو الذي سيدير الندوة فاقتربت من مؤمن و صورته  ،و أثناء التصوير جاءني صوت الدكتور محسن مصيلحي من الصف الاول ."إيه يا عم جمال ..... انت بتصور العريس والعروسة و سايب المعازيم ؟" فتلفت وقمت بتصوير أعضاء اللجنة و جميع الحضور و عندها نزل نزار سمك في كرسيه قليلاً حتي تساوت رأسه مع ظهر الكرسي الجالس عليه و ضحك ضحكته المعهودة و اشار إلي بعينيه ان اصوره ثم بدأ يلوح بالمسبحة التي كان يمسكها بيده ، و من بعيد جاءت ابتسامة  أحمد عبد الحميد و بهائي الميرغني والتي تبعها حسن عبده بنظرة ثاقبة لي أن اكتفي بما تم لأن الحضور بدأوا كأنهم منشغلون عن العرض الجاري أمامنا علي خشبة المسرح ، فقلت له إيه المشكلة ؟ .. العرض هو اللي وحش ....

      انتهي العرض الأول وعلمت أن العرض التالي سيكون في القاعة و أصابني الهم و الضيق لأن هذه هي القاعة التي لم أتمكن من دخولها بالأمس من شدة الزحام و بعد محاولات عديدة دخلت ووقفت علي كرسي في آخر صف حتي أتمكن من مشاهدة دقائق معدودة من العرض لأن القاعة كانت تكتظ بأضعاف طاقتها من البشر ، ولكن لا خيار لي اليوم فأنا أقوم بمهمة غاية في الأهمية و لا يمكن ان اقول لا لن اصور عرض الليلة ، فذهبت الي القاعة ووجدت مخرج العرض يقف علي الباب رافضاً دخولي فحمدت الله علي الافراج و ذهبت الي الخارج فوجدت عبد الناصر حنفي يصرخ في وجهي
ايه يا جيمي رايح فين؟
الحمد لله .. المخرج رفض دخولي
يا سيدي ما ينفعش عاوزين الصور عشان النشرة
و اصطحبني الي الداخل مرة أخري و عرفني علي المخرج الذي استثناني أنا وحدي من حظر الدخول ... يالحظي السعيد!!!!

         داخل القاعة تشعر برائحة الموت بقوة ..... الجدران كلها مغطاه بورق الكرافت حتي السقف و قد تم تجعيد هذا الورق كي يعطي احساس بخنقة المغارة فضاقت القاعة أكثر و اكثر، علماً بأن الباب الرئيسي للقاعة الذي يفضي للشارع تم اغلاقه و تغطيته بورق الكرافت أيضاً بحيث لا يمكن تحديد مكان الباب من الداخل ، أما الباب الصغير الذي يفضي لبهو المسرح فقد ترك نصفه مفتوحاً بينما أغلق النصف الآخر، و قد تم تقسيم القاعة الي جزءين الأول يمتد من الباب الخارجي الي ثلثها تقريباً و يمثل المكان المخصص للجمهور حيث جلس الجميع في صفين يفصل بينهما ممرصغير،  أما الجزء الثاني فيمتد من نهاية هذا الجزء حتي نهاية القاعة و يمثل حوالي ثلثي المساحة الاجمالية للقاعة و هو المكان المخصص للتمثيل و فيه وضع مصمم السينوغرافيا –أو المخرج – حوالي خمسين شمعة مضاءة علي اضلاعه الثلاثة ( يمين – يسار – مواجهة )،  و لأني دخلت قبل بداية العرض فقد شاهدت فترة التوتر التي تسبق العروض عادة ، و لكن هذه المرة كان التوتر فوق العادة، فالمخرج يصر علي ألا يتواجد أحد بالغرفة غير الأشخاص الفنيين و انا – المصوراتي - و هو ينادي صارخاً" يا فلان لا تدخل أحدأً إلي القاعة .. لن أبدأ العرض إلا إذا أخليت القاعة تماماً" ، و يبدأ الناس في الخروج ... علي يساري كان هناك جهاز كومبيوتر  موضوع علي الأرض و أمامه كان شاب يجلس يجرب الصوت و خلفه ممر ليس بالقصير به بعض أجهزة الأضاءة و علي الأرض كان هناك اسلاك كهرباء ممتدة من أجهزة الضوء الموضوعة علي الارض إلي لوحة المفاتيح ، و بعد العديد من التجارب التي أجراها الشاب الجالس أمام الكومبيوتر أعطي المخرج الأمر بدخول الجمهور....... و دخلت أعداد معقولة ملأت القاعة إلا أنه بعد لحظات من بداية العرض بدا شخص ما – أعتقد انه المخرج -  في الصراخ ... كفاية ... ممنوع دخول حد تاني .. القاعة اتملت علي آخرها .. كده العرض هايبوظ .. ثم تعالت صيحات الناس بالخارج وتحول الأمر إلي فتنة و تعالت الصيحات فاشار المخرج لمن علي الباب بترك الباب علي مصراعيه فدخل جمع غفير من البشر اكتظت بهم القاعة الصغيرة التي لا تتسع لربع هذا العدد .

         كان علي أن اقوم بالتصوير و كنت كلما جلست أحسست بشيئ يجعلني اقف فاقف واصور  والعرض كان جميل بدرجة تفوق توقعي، كان الممثلان في قمة تألقهما و بدأت أفكر في مقالتي النقدية التي سأكتبها عن العرض  و تبادلت نظرات الاعجاب بالعرض مع مؤمن الذي افترش الارض و عادل حسان الجالس بجواري و صالح سعد الجالس خلفي و بجانبه بهائي الميرغني و احمد عبد الحميد و حازم شحاته  و علي الجانب الآخر من القاعة كان يجلس حسن عبده مع محسن مصيلحي و مدحت ابو بكر و نزار سمك ، ولم تتوقف لغة العيون بيني و عادل حسان طوال العرض ، فالعرض كان جميل بشكل ملفت للنظر و تقاربنا أنا وعادل حسان بشكل لم يحدث من قبل،في منتصف العرض تقريباً تبادلت نظرات الدهشة مع عادل من مصور التليفزيون الذي دخل منطقة التمثيل و بدأ في تصويب كاميرته نحو الأرض ليصور الشموع المنتشرة في أرجاء المكان فقمت علي الفور بأخذ مجموعة من الكادرات الفنية التي تجمع بين الممثلين و المصور لتوضيح هذا الاضمحلال في ثقافتنا المسرحية التي تجعل المصور يدخل حرم منطقة التمثيل ، ثم نظرت إلي عادل و ابتسمت فرد الابتسامة بأخري ملؤها المرارة.

            انتهي العرض وخرج الممثل الأول لتحية الجمهور الذي استقبله استقبالاً حافلاً لم يقل روعة عن استقبال الجمهور للممثل الثاني لقد استغرقت تحية الممثلين وقتاً أطول من المعتاد ، وقلت في نفسي يالروعة هذين النجمين، و يالبراعة هذا المخرج الجميل الواعد بمستقبل مشرق ثم لقد كانا نجمين فوق العادة ، ثم يخرج المخرج ليبدأ التصفيق الشديد و عندها يلمح الجميع لهب صغير جداً يأتي من أعلي الجانب الايمن للقاعة و لأن اللهب كان صغيراً في البداية فلم يتسبب في حالة من الذعر و بالتالي قمت بتصوير اللهب و فجأة وبلا مقدمات يتحول هذا اللهب البسيط إلي نار مستعرة و كأن شيطاناً نفخ فيها بقوة و تتعالي الصيحات "  أجري ..  أجري.... اجري " و لأنني كنت واقفاً كان من السهل أن أتوجه مباشرة إلي الممر الوحيد الموجود في منتصف القاعة  و ما أن اقتربت من باب الخروج الوحيد حتي نتج عن تدافع الناس وقوع لوح خشبي علي الباب فاغلقه و عندها فقط احسست بالنار تمسك في رأسي من الخلف ثم يداي التي لم تعد تقوي علي حمل الكامير فهوت من يدي و لم يخطر في ذهني وقتها الا أن اقرأ الشهادة و فجأة فقدت الوعي للحظات قمت خلالها بالمرور من وسط النار و الخروج الي خارج القاعة و بدلا من ان اتوجه الي الشارع قادتني قدماي الي الاتجاه المعاكس فدخلت قاعة المسرح الكبري حيث توجد طفايات الحريق التي كنت اول المستفيدين منها حيث جري ابراهيم الفرن فور علمه بالحادثة للبحث عن الطفايات فارشدوه الي مكانها علي خشبة المسرح فوصل اليها و ما أم استدار عائداً حتي وجدني امامه فأطفا ما تبقي من نيران عالقة بيداي و راسي.

       وهرولت إلي الخارج فوجدت سيارتي تقف امام الباب و النيران علي وشك ان تنال منها فجن جنوني و تخيلت أن كارثة أكبر ستقع لامحالة و ناديت علي من حولي حتي جاءني اسلام رضوان فطلبت منه ان يخرج مفاتيح سيارتي من جيب البنطلون فأخرجها و القي بها في يدي التي يتساقط منها اللحم سائحأ من هول النار التي اتت عليها و لم يكن امامي الا أن اتحامل علي نفسي و انسي الالم و افتح السيارة و اديرها و اقودها الي أحد الشوارع الخلفية بعيدا عن هذا الجحيم الذي استعرت ثورته ، كانت آلام مبرحة تعصف بيداي و رأسي ،  ثم تهالكت و انتهت طاقتي و عندها وجدت كمال هذا الشبل السكندري الأصيل يأتي إلي بأحد الافراد الذي أجلسني بجواره في سيارتي و قادها ألي مستشفي بني سويف العام ، ولحظة دخولي المستشفي تذكرت زيارتي لها بالأمس و ادركت ساعتها أنها رسالة من المولي عز و جل و قد أحسنت فهمها، و مع الرسالة تذكرت عبوات اللبن الرايب منتهية الصلاحية التي لم تتيح لي الظروف فرصة ارجاعها و القاء محاضرة أخلاقية من العيار الثقيل لهذا البائع معدوم الضمير، و رأيت صورة نزار محترقاً تخترق ذهني و رأيته مبتسماً يشرب اللبن منتهي الصلاحية و يضحك علي المقلب الغبي الذي أوقعني فيه البائع ، و تمنيت ساعتها لو أن الأمر اقتصر علي شرب عبوة من اللبن منتهي الصلاحية، بالتأكيد كان ذلك سيخلف آلاماً أقل قسوة مما نحن فيه الآن.

      في مستشفي بني سويف العام قضيت ساعات قليلة مرت علي كأنها دهراً لا تنقضي سنيه، طلبوا مني في البداية أن أحضر تذكرة و الأمر بالنسبة لي كان سهلاً إلي حد ما فأنا من الزبائن الأول في تلك الليلة اللياء ، فذهبت الي الموظف المختص و اللحم يتساقط من يداي فاعطاني اياها مسرعاً لأنه في هذه اللحظة وصل آخرون في ميكروباصات المدينة ، وطلبوا مني ومن آخرين أن نتوجه بمفردنا دون معاونة طبيب أو ممرض إلي قسم الحروق بالدور الثالث ، و يالها من رحلة طويلة مهلكة تلك التي قطعت أشواطها الثلاث مشياً علي أقدامي المنهكة بينما يتساقط لحم يدي أمامي في مشهد لا اعتقد انه سيفارق ذاكرتني ما حييت .
في الدور الثالث أعطوني مخدر بعد شد و جذب بين الاطباء و طاقم التمريض ثم طلبو مني النوم علي السرير و يا له من سريرقذر لا توجد عليه حتي ملاءة نظيفة وتنطلق منه رائحة أقل ما توصف به أنها نتنة ،فوضعت جسدي علي السرير رافعا ًيداي لأعلي و أنا أتابع الصرخات المتلاحقة من حولي فقد بدأت الأجساد العارية التي يتساقط لحمها في التوافد علي المستشفي وأيت عادل حسان و هو يصرخ من الالم طالبا مسكن ، و تذكرت لحظة تقاربنا الاستثنائي أنا و عادل و رايتني أهمس في صمت " تقاربنا بشدة و كدنا ان نفترق ... الحمد لله ... الحمد لله " .

        كان محمد العمروسي ينام علي السرير المجاور لي و ابوه سعيد العمروسي يبكي علي راسه ، و لأن اصابات محمد كانت بسيطة بالمقارنة بغيره فقد قضي الساعات التي عشناها في هذا المخبأ اللعين طالبا العون لي من الأطباء و الممرضين، و ما هي إلا لحظات حتي وجدت صالح سعد يدخل الغرفة عارياً و لحمه يتساقط في مشهد دراماتيكي لن تنساه عيناي ماحييت وتعالت الصرخات و النداءات علي الأطباء الذين بدوا و كأنهم أصنام حجرية لا تحس و لا تشعر و لا تتعاطف لمأزق انساني خطير وبدت وجوههم جامدة لا تقوي حتي علي تمثيل دور المتعاطف الراثي لحال هذا الشباب الذين تسيح أجسادهم علي الارض .

      مع مرور الوقت أحسست بالالم يكاد يعتصرني ، و سألت نفسي ساعتها هل يا تري ساعدت الدهون الزائدة في يدي علي زيادة حجم المشكلة ؟ سؤال غريب طرأ علي ذهني للحظة ، وابتسمت في مرارة و شكرت المولي العلي القدير علي أني ما زلت علي قيد الحياة .. علي اية حال الرجيم القاسي قادم لا محالة فقد بدأت اسنة المحاليل تنخر في لحمي و بدا الجو حولي ملبدا بالغيوم و لم أعد قادرا علي تمييز الأشياء أو الأشخاص ، شاهدت ابراهيم الفرن كأنه شبحاً اخترق حجب الغيب سألته عن باقي الناس فأجابني كل الناس بخير ما فيش غير ياسر يس وسامية جمال بندور عليهم ... و وحاول عقلي أن يكذب الرسالة التي فهمها قلبي دون جدوي وراح الألم يعتصرني ما بين الاستجابة للآلام المبرحة التي راحت تهاجمني و بين اللوعة علي فقدان أناس أعزاء كانت الضحكة تملأ و جوههم منذ دقائق معدودات و راحت صور رباح وعصام ابني سامية تهاجم راسي و من ورائها صورة يارا ياسر يس و هي تضحك حينا و هي تصرخ كأمرأة  كبيرة صرخات تمزق نياط القلب أحياناً أخري ......و من ساعتها لم تفارق ذهني صورتي باسنت و عبد الرحمن طفلاي الذين لم يرد القدر أن يتيتما بعد ... الحمد لله ... ألف حمد وشكر لك يا رب ....  بدأت الاغماءات تطاردني و تتناوب معها إفاقات ضئيلة ... استجمعت ما تبقي من طاقة و شاهدت احمد زيدان يقف بجواري .. لم أتعرف عليه .. طلبت منه أن يخرج تليفوني من جيبي و أن يتصل بصبحي السيد ... علي الجانب الآخر جاء صوت صبحي قلقاً موتوراً قلت له في كلمات منهكة ." تعالي خدني من هنا .....انا في مستشفي بني سويف العام ...."

         ما هي الا لحظات و جاء من يطلب مني أن أقف و اصعد علي الترولي لكي اذهب الي سيارة الاسعاف و تنفست الصعداء .. أخيرا سأغادر هذا العفن .... وقفت .. اتجهت الي الترولي و لأني فقدت السيطرة علي جسدي فقد هويت علي الأرض و عاودت الكرة مرة أخري حتي جاء من يصيح فيهم حرام عليكم الراجل تعبان لازم تشيلوه لا اعرف ان كان حاتم حسن هو الذي صرخ فيهم أم محمد العمروسي، ساعتها بدأت افقد الكثير من وعي و سافرت خارج حدود الواقع .. غبت عن الوعي للحظات ... لكني شعرت بصبحي السيد يجلس بجواري في سيارة الاسعاف شعرت بكم الالم الذي يعتصره من خلال نبرات صوته المكتومة، سألته عن صالح و محسن وحسن و كل الذين راحوا في لمحة البصر فرد بابتسامة باهتة كذبتها أحبال صوته التي كسرها الحزن ... كلهم بخير ... ولم ينسي أن يزيل كلامه بجملته المعهودة ... زي الفل .....  كنت محظوظا للغاية لان رحلة العذاب من بني سويف للقاهرة كات وقت الفجر لا شمس و لا حرارة تلحف الجروح و تفعل بي ما فعلت بصالح و محمد يسري و العمروسي .......  و وصلنا الي مستشفي الهرم و هناك وجدنا استقبالاً فوق العادة احضروا جميع ممرضات المستشفي ليكونن تحت إمرة العدد القليل الذي وفد من بني سويف .. قضيت في هذه المستشفي أربعة أيام لم تخلو حجرتي من ممرضة في أية لحظة و لم ألق إلا كل حسن في المعاملة و زوار بالمئات من الاصدقاء و الفنانين و الاساتذة المحترمين ... الغريب في الأمر أن كل من كان يدخل حجرتي كانت تعلو وجهه ابتسامة جميلة و جملة كثير ما تكررت .. الحمد لله انت زي الفل ..... كنا خايفبن احسن الموضوع يكون خطير ... لكن الحمد لله ... انت عال العال ..... و اقنعني الجميع بايعاز من الصديق القلوق ايمن الخشاب انني بخير .. وقف أيمن علي بابا الحجرة و حذر جميع زواري بل و هدد آخرون منهم زوجتي أن من يبكي او ينصب جوا من الكدر سيكون مصيره الطرد و الحرمان من الزيارة و راح الجميع يتقنون أدوارهم ببراعة حتي اني و الله صدقت ان ما امر به ما هو فعلا هفوة عابرة سرعان ما سأصحو منها .. ولن يمر اسبوع الا و اكون في بيتي بين اسرتي و اصدقائي ، وهذا هو ما لم يحدث بالطبع ، و بعد أربعة ايام جاء من يخبرني بالاستعداد للذهاب إلي مستشفي السلام التي مررت فيها بتجربة إنسانية في غاية الاهمية.
      عندما اتذكر اليوم الأول في مستشفي الهرم يتداعي إلي ذهني الكثير من الذكريات . الصور تمر امام عيني مشوشة ، أحيانا أستطيع تمييزها بوضوح تام و أحياناً أخري اشعر بتداخل الصور مع بعضها حتي أني افقد القدرة علي تمييزها.

      بعد رحلة طويلة في سيارة الاسعاف استغرقت قرابة الساعات الثلاث وصلت السيارة إلي مستشفي الهرم بعد ان ضل السائق الطريق أكثر من ثلاثة مرات. في داخل المستشفي كانت هناك حالة من الطوارئ القصوي ، الجميع في انتظارنا وهم متأهبون لنجدتنا واسعافنا و اتخاذ ما يلزم من اجراءات ، هذا ما أحسست به منذ الوهلة الأولي التي وطأ جسدي المستشفي محمول علي الترولي، أخذوني مباشرة إلي حجرة العمليات، في البداية كنت اشعر بكل شيئ؛ محاولات مستميتة لنزع خاتم الزواج من اصبعي، جاءوا بمقص لم يفلح في اختراق جانب الخاتم السميك ثم جاءوا بمنشار صفيح و أنا اصرخ من فرط الالم ، و لما يأست المحاولات جاءوا ببنز حديد و لما لم يفلح هو أيضا أخذت الألآت تتناوب علي اصبعي و معها تناوب المتبرعون واحداً تلو الآخر حتي نجحوا في انتزاع الخاتم بعد ان كاد قلبي يتوقف عن الحركة من فرط ما ألم بي من مواجع،  طلبت ممن حولي أن يضعوا الخاتم في جيب بنطلوني الذ ي أرتديه خوفاً عليه من الضياع ، وبعدها بدأت عمليات زرع جهاز في وريد الرقبة لاستقبال المحاليل و العلاج ، أحسست بأني أغيب قليلاً عن الوعي، و مع افاقاتي القليلة أدركت أنهم يمزقون البنطلون الذي أرتديه و لم يكن الظرف يسمح لي حتي بالتساؤل ، لماذا يمزقون ملابسي ؟ و أدركت بعدها أن تمزيق البنطلون وملابسي الداخلية كان أسهل من محاولة خلعهم من علي جسدي بطريقة آدمية ، لم اكن لأستطيع الاعتراض و لا حتي السؤال فالأمر كاد يخرج من يدي لحظة أن تأرجح ذهني بين الغفوة والإفاقة ، و علمت بعدها أنهم القوا بالبنطلون و بداخله خاتم الزواج في سلة المهملات..... أمر محزن للغاية.

       غبت عن الوعي قليلاً و بعدها وجدتني نائماً في حجرة انفرادية ، نائماً علي ظهري يخرج من جانبي الأيمن أنابيب علوية تخرج من رقبتي و موصلة بزجاجات معلقة علي حامل بجاني وكذا أنبوبة سفلية تنتهي بكيس بلاستيكي لزوم التبول، و وضعوا ملاءة بيضاء تستر جسدي العاري تماماً إلا من "بامبرز" ألبسوني إياه في غرفة العمليات.
تلفت حولي فوجدت صديقي أيمن الخشاب الذي فأجاني باتسامة عريضة ...
كده اقدر أقول إني مطمن ... من ساعة ما عرفت و انا قلقان .. لكن الحمد لله انت أحسن مما توقعت .. يا راجل بلاش دلع .. دي حاجة بسيطة
و ابتسم .. و اطمئن قلبي لابتسامته الكاذبة و التي اتقنها من أجلي ، علمت من أيمن بعدها أن وجهي كان منتفخاً بدرجة محيت معها كل ملامحي و لم يتم التعرف علي إلا من خلال الاسم المكتوب علي باب الحجرة .... ياه .. كم كانت مؤلمة تلك الكذبة التي حاول أيمن اتقانها و تلقينها لجميع الزائرين .. و إذا كان من الصعب أن يكذب الإنسان في موقف كهذا فأعتقد أنه من المستحيل أن تقنع الآخرين بان يتخلوا عما تراه اعينهم  و ان يختلقوا واقعا أجمل مما يرونه تخفيفا عني ... أدركت بعد ان علمت بحقيقة حالتي الصعوبات الجمة التي تحملها أيمن من اجلي ، و هو و إن فعل الكثير طوال فترة وجودي بالمستشفي ؛ إلا أن هذا الموقف المرتبط بمستشفي الهرم كان أكثر الأفعال تاثيرًا في نفسي لانه هو الذي  أحدث الكثير من التوازن فيما يتعلق بحالتي النفسية .

أما أخي محمد الذي قضي معي اليوم  الأول فقد لمحت حيرته و قلقه و توتره ... ظل جالساً علي الكرسي المجاور للسرير طوال المساء ما أن اتلفت إلا و أجد عينيه مفتوحتين تطلب الاستجابة لمساعدتي ... في الصباح طلبت منه أن يغادر المستشفي .. رفض .. أصررت .. أقنعته بأن وجوده في المكتب أهم من وجوده بالمستشفي .. و رحل إلي الإسكندرية بغير اقتناع ولا انقطاع عن زيارتي..... و طلبت منه ألا يذكر ما حدث لأمي لأني أعلم أنها ستصر علي الحضور إلي القاهرة و هو ما كان سيرهق صحتها المعتلة ... و عندما سألني محمد ..
هانقول لماما إيه؟
.. قلت له متفائلاً ..
يا سيدي مفيش مشكلة هي عارفة اني مسافر عشرة أيام لبني سويف .......... و إنشاء الله أخرج قبل العشر ايام ما يعدوا و أطمنها بنفسي ...
كنت متفائلاً للغاية .... لم أكن منتبهاً لحقيقة اصابتي ... و السبب كان أيمن الخشاب الذي جعلني أصدق منه و من حولي ان الموضوع بسيط .... بسيط جداً.

           أوناس كثيرون جاءوا خلال الأيام الأربعة التي قضيتها في هذه المستشفي  أصدقاء من الإسكندرية والمحلة و القاهرة و البحيرة و الزقازيق و المنصورة، لم أكن اعلم اني أعرف كل هؤلاء و لا ان هذا الكم من الناس يكن لي كل هذا القدر من الحب ... شعور جميل يعتري الواحد منا وقت الأزمة فيشعر بقرب انفراجتها.

         في مستشفي الهرم عشت لقطات لا يمكن نسيانها،  كانت اللقطة المتكررة .. شخص يدخل إلي الحجرة راسماً ابتسامة عريضة علي وجهه و يقول .. إنت زي الفل .. الحمد لله ... و شك سليم .. يا دوب حاجة بسيطة في ايدك و كلها كام يوم و تبقي زي الفل ... الخ ....  من هؤلاء استمديت الكثير من شجاعتي علي مواجهة الموقف ، هؤلاء كان ورائهم أيمن الخشاب الذي فرض رقابة صارمة علي زواري و أرغمهم علي أن يبدو في صورة مطمئنة ....
       
           لقطة أخري لناهد عز العرب و هي تقف مشدوهة غير مصدقة ..لمحت في عينيها أسئلة كثيرة ... هل هذا الراقد بلا حراك هو فعلاً جمال ياقوت الذي كتبت عن عرضه "مس جوليا" منذ ايام قلائل في مجلة الاذاعة و التليفزيون ؟ هل هذا هو جمال ياقوت  الذي كان معي هو و زوجته و طفليه بالمعمورة منذ ايام قلائل ؟؟؟ و تذكرت عينيا مع عينيها تلك الساعات الطوال التي بدأناها في التاسعة مساءً و انتهت قرب مطلع الفجر ، كانت ناهد في المعمورة حيث تقضي مصيفها السنوي و دعتني لقضاء يوم معها فذهبت أنا و زوجتي و طفلاي باسنت و عبد الرحمن ، و كان مع ناهد ابنة اختها .. اتذكر اسمها .. ناهد ... يىىىه اتنين ناهد في عيلة واحدة ؟ كان هذا تعليقي لناهد لحظة أن عرفت اسم الطفلة ... طفلة في غاية اللطف و الجمال .. لعب الاطفال الثلاثة كثيراً و نزلنا .. جلسنا في كافيتيريا علي البحر ... ثم جاءت أخت ناهد من القاهرة لتلحق بنا ...  قضينا ساعات طوال في المعمورة .... سهرنا حتي الفجر.. بعد أيام لمملمت حقائبي وغادرت إلي بني سويف .... نظرت إلي ناهد الواقفة أمامي كانها في مشهد "ستوب كادر" نطقت عينانا كلمة واحدة ...
معقولة .. هو الموضوع بجد .. حريقة ... و مستشفي .. و محاليل .. و تشوهات .. أحنا بنحلم ؟ و فرض الواقع الجواب ...نعم حدث الحريق .. و ها أناذا راقداً في المستشفي .....  رأيت ناهد وهي تحاول أن تبدو قوية ، رأيت عينيها و هي تفشل في أن تعكس بساطة حالتي ، رأيت الدموع التي جمدت في عينيها ، رأيت رعشة جسدها  لمست خوفها أحسست رعبها ... أدركت قرارها بألا تعاود الكرة لتزورني أو حتي لتزور غيري ، لم تقف طويلاً ... استنفذت طاقة التمثيل التي تملكها في دقائق قليلة ... لم تعد قادرة علي تمثيل دور المطمئن .. كادت أن تنهار ... لملمت فتات تماسكها و كبريائها و خوفها علي ثم هرعت نحو الباب تاركة اياي في أشد حالات القلق عليها .

         مرت أيام مستشفي الهرم ومعها الكثير من الذكريات المرة و لكن هذا لا يمنع من وجود لحظات تصحب ابتسامة حلوة عندما تاتي إلي الذهن فلا يمكن ان أنسي مثلاً منظر الصديق السكندري خالد محروس عندما جاء إلي غرفتي و بمجرد أن رآني أخذ يبكي ثم أغمي عليه ووجدني اقول له ...
قوم يا بني و بطل تمثيل .... ما فبش فايدة فيك ........ هاتفضل هجاس طول عمرك .............
فاستفاق خالد في الحال و لم أغضب منه لسببين أولاً لأني أعلم انه يكن لي من الحب ما يجعله يغمي عليه إذا رآني في هذا الشكل المشوه ... و ثانيهما أنه من حقه كممثل أن ينتهز أي فرصة لإخراج مواهبه إلي النور.

           ياسر عبد العزيز شخصية سكندرية لها مزاق خاص يحتاج منك عندما تتكلم أن تضبط ايقاع صبرك حتي لا ينفذ سريعاً و هو شخص له منظومته الفكرية التي غالباً ما تتعارض مع من حوله، و بالرغم من ذلك فهو إنسان طيب إلي أقصي درجات الطيبة و أسعد لحظات شلتنا هي تلكاللحظات التي تشهد مواجهات ساخنة تتسم بالعناد الشديد بين إيهاب يوسف و ياسر عبد العزيز أما أحلي لحظات الكوميديا فنشهدها عندما يقرر أيمن الخشاب استفزاز ياسر و الكوميديا هنا لا تكمن في براعة الخشاب في ضبط المشهد الاستفزاوي و لكنها تكمن و بقوة في أن ياسر لا يتاثر بهذا الاستفزاز البارع ، و هو هنا عكسي تماماً لأني من أسرع الناس قابلية للإستفزاز و هذا ما استغله دائما أيمن الخشاب.

        أصدر ياسر فرمان بأنه سيبيت معي غداً وفي اليوم التالي  جاء متاخرأ أربعة ساعات فقط وهذا يمثل اقصي درجات الالتزام بالنسبة لياسر، و لحظي الجميل جاءت لحظة تغيير النوبتجية وياسر لم يكن موجوداً فخرجت الممرضة من الغرفة و أصبحت وحيداً و ساعتها احتجت لأشياء كثيرة بمجرد أن أصبحت بمفردي ، كنت عطشاناً أحتاج شربة ماء ، ملاءة السرير انزلقت من علي جسدي و لا أستطيع لمسها بيدي ، النور يؤذي عيني ، التكييف عالي جداً ، و أخذت أنادي علي الممرضات " يا لي بره .... يا اللي بره ... " و لا احد يرد .. و اعتقدت للحظة أن ياسر عبد العزيز موجود بالخارج ... و أخذت أنادي عليه " ياسر ...  يا سر .. " و لم يرد أحد فأخذت أصرخ بأعلي صوتي و لم أاسمع إلا صدي صوتي الذي بدا مع تكراره المكان و كانه غابة مهجورة .... و عندما تهالكت أحبال صوتي وجدت ياسر يقف علي باب غرفتي و هو يرسم علي وجهه ابتسامة باهتة ...
جيمي .. عامل إيه يا حبيبي؟
فنظرت إليه و استفزني بروده إلي درجة لم أستطع معها إلا أن اقول له بنفس درجة بروده
الحمد لله .. أنا بخير .. ياسر ممكن تديني أشرب ؟
        و لما جاء الليل نظرت إلي ياسر الذي راح في نوم عميق علي كرسي بجوار سريري...... وأخذت ذكريات مواقف ياسر الكوميدية تتواثب علي راسي و بين الموقف و الآخر أنظر إليه وهو نائم في وضع غير مريح علي الإطلاق ... ياااااه  .... الدنيا لسة بخير .

           أما ممرضات مستشفي الهرم فقد اجتمعت فيهن صفة صغر السن و الجمال و الحنان والطيبة الآسرة و أتمني أن تتاح لي فرصة زيارة هذه المستشفي لأقدم الشكر لكل ممرضاتها الحسناوات ما عدا واحدة فقط كانت تلازمني طوال الليل و لم تجد وسيلة تقضي بها علي ملل الليل إلا الحديث في التلفون مع "الواد بتاعها" و لم تتوقف إلا عندما نهرتها بشدة بعد أن رجوتها العديد من المرات دون جدوي .

       في صباح يوم السبت10/9/2005 جاء محمد أخي الذي كان يبيت ليلة الجمعة معي وطلب مني الاستعداد لأنهم سينقلونني إلي مستشفي السلام، لم أكن أرغب في الانتقال من مستشفي الهرم فقد وجدت معاملة حسنة و رعاية صحية مستمرة و لكن المشكلة كانت تكمن في أنهم لا يملكون قسماً خاصاً بالحروق و بالتالي فالعلاج كان يتم بالمراسلة و ما يتضمن ذلك من احتمالات الخطأ و كذلك عدم الكفاءة في الاستخدام لانعدام الخبرة كما أن استمرارا الوضع علي ما هو عليه ينذر بمشكلات أكبر حال الفشل في مواجهة الأمور الطارئة.

         قطعت السيارة مسافات طويلة حتي وصلت من الهرم إلي مدينة السلام ، كانت رحلة شاقة جداً صاحبني فيها أخي محمد ، عندما دخلت مستشفي السلام أحسست بتحسن ملحوظ في حالتي النفسية حتي أني بدأت في الضحك و القاء الافيهات و القفشات مع كل من يقابلني وأنا علي التروللي، عندما دخلت طلبت ان يضعوني في حجرة منفردة و قد كان ، وضعوني في حجرة مكتوب عليها "حجرة العزل" ووضعوا بياناتي علي الغرفة و ما أن دخلت حتي أصدرت الأوامر بان يزال "البامبرز" و القسطرة و مع ذلك تعليمات أخري مشددة بضرورة الاكل و التحرك وكل ما يؤدي غلي تحسين الاحوال النفسية لأن استقرار الحالة النفسية يمثل الجزء الاكثر أهمية في العلاج .
صدرت هذه التعليمات عن الدكتور نبيل و هو الوجه الجامد الذي كنا نراه يومياً من لحظة دخول المستشفي حتي لحظة مغادرنها .

دخل معنا المستشفي من الاسكندرية محمد يسري و من البحيرة محمد العمروسي ومن الفيوم كان هناك حسام و معه التوأم أحمد و محمود صلاح الذين توفي أبوهما و اخوهما الأكبر في الحادث ، ضمت الحجرة الأولي العمروسي و محمد يسري و الثانية أحمد و محمود و حسام بينما كنا انا نزيل الغرفة الثالثة .

جاء أيمن الخشاب في نفس يوم دخولي مستشفي السلام و معه خطاب رسمي من الكلية يفيد بأنه مبعوث من الكلية بشكل رسمي لمرافقتي بالمستشفي ، هذا الخطاب الذي أخترعه الخشاب ساعد في أن يحدث في مستشفي السلام ما لم يحدث في غيرها من المستشفيات ، فبعد شد و جذب بين أيمن و مدير المستشفي وافق المدير علي تخصيص غرفتين بالتكييف بالطابق العلوي للمرافقين أحدهما للسيدات و الأخري للخشاب الذي كان الرجل الوحيد من بين المرافقين ، ليس هذا فقط بل انه تقرر تخصيص وجبات يومية ثلاث للمرافقين أسوة بالمرضي ، ياله من انجاز يشبه المعجزة.

        ارتبطت اللحظات الأولي بمستشفي السلام بالألم خاصة في عدد المحاولات الكبير الذي تم بغية سحب عينة دم مني و لم تفلح محاولات الأطباء و بعد اليأس من النجاح دخلت ممرضة ضخمة جداً علمت منها فيما بعد ان اسمها مرة هوجان و بمجرد أن رأيتها تدخل الحجرة والسرنجة في يدها صرخت و قلت
 لا .. مش هاتاخدوا العينة ... حرام عليكم ... أنا جسمي كله اتخرم
فابتسمت مروة ابتسامة ملؤها الثقة و قالت
 أنا ها اوصل للنبض بايدي و مش هادخل الابرة إلا مرة واحدة ... موافق؟
 صدقتها و استسلمت لها و نفذت ما وعدت به فأعجبت بمهارتها و وثقت بها طيلة ايامي بالمستشفي و من لحظتها صرنا اصدقاء .

        يسير العمل في مستشفي السلام علي وتيرة واحدة ، طاقم الاطباء الممثل في دكتور نبيل ودكتورة نشوي ياتي يومياً من الساعة الثامنة صباحاً حني الثانية ظهراً وومعهم دكتور مصطفي المنتدب من جامعة الأزهر و الذي يحضر يومين فقط أسبوعياً و في الثامنة مساءً ينصرف طاقم التمريض و يحضر طاقم آخر للمبيت أو السهر كما يطلقون عليه .
بعد ظهر اليوم الأول جاء الدكتور نبيل و غير علي جروحي و سألته السؤال المعتاد
 أنا هأخرج امتي ؟
الأمر بيد الله
تقريباً يعني بعد اسبوع مثلاً ؟ تمنيت ان يقول نعم لكنه استكثرها علي
 لا اطول شوية ... يعني   اسبوعين .... و يمكن شهر ...لأن انت عندك جروح من الدرجة التالتة .. الجروح دي لازم لها عملية ترقيع
ترقيع ؟
أيوة .. هاناخد جلد من ركبتك و نحطه علي ايدك بعد عملية الترقيع باسبوعين ممكن تروح ...
يعني لازم عملية ؟ مش ممكن الجروح تقفل مع الوقت؟
مش ممكن ....... لأنها غائرة ..... و بعدين انت ها تخرج بعد عنلية الترقيع بأسبوعين
طب ما نعمنل العملية دي بكرة
ما ينفعش ... لازم الصديد اللي في ايدك ده يخلص ..... و بعدين نعمل العملية
و الصديد ده ها يخلص بعد أد ايه ؟
الله اعلم لكن خلال أسبوع لو ما خفش ها نعمل لك عملية كحت و بعد تلت أيام نبقي نعمل عملية الترقيع
كحت؟
ايوة لأنك مش ممكن تستحمل إننا نكحت لك كل الصديد ده ... عشان كده لازم تدخل حجرة العمليات و تاخد بنج كلي عشان نقدر نكحت لك الصديد
و الصديد ده بتكحتوه بإيه؟
بمعلقة ... بس معلقة طبية مش معلقة الأكل ...
و تركني و خرج دون أن يلقي حتي بابتسامة علي القفشة التي ألقاها ... نظرت غلي سقف الحجرة .. تعجبت هل يمكن ان تحوي هذه المهنة طبيباً بهذا الجمود ؟.. لم يحاول دكتور نبيل أن يخفف عني وطأة قلقي و اضطرابي؟ .. لم يحاول أن يدرج لي صعوبة حالتي .. ألقي بكل ما بدخله في وجهي دفعة واحدة و انصرف ... علمت بعدها أنه طبيب عسسكري متقاعد .. فهمت .. و استسلمت .. و أخذت راسي تحسب الأيام التي سأبقي فيها بالمستشفي وفقاً للمراحل التي ذكرها الدكتور نبيل .. تقريباً زي ما قال ... ممكن الموضوع يوصل لشهر في المستشفي ... يآآآآآآآآآآآآه .. تلاتين يوم .... هنا؟ علي السرير ده؟ ... مع الناس دول؟ ... أحسست بالدمعة تبلل خدي ... فأغمضت عيني .... كان ذلك يوم السبت 10/9/2005 و أنا أعلم أن رمضان سيكون يوم 3/10/2005 يعني مش هأحضر ليلة أول رمضان في البيت مع الولاد ؟ يعني مش هأفطر أول يوم مع امي ؟ طب و اخواتي ... يعني ... يعني ......... و تزاحمت الأفكار السوداء في رأسي وبدأت تتراقص أمام عيني صورة سوق الميدان ليلة رمضان في بحري حيث اعتدت كل عام منذ سنوات طويلة أن أذهب هناك لشراء مستلزمات الشهر للعائلة كلها ، و تدافعت علي رأسي الصور ، الباعة ينادون بضاعتهم و أنا حائراً أبحث عم مكان أركن سيارتي وسط هذا الزحام الرهيب و الأطفال يسرعون الخطي فرحين و أصحاب العربات الصغيرة يسدون الطرقات والأنوار تملأ المكان و الأصوات تكاد تصم الآذان و تتعالي أصوات الباعة و معها تتعالي صيحات الزبائن ....... كيلو مشمشية ......  اتنين كيلة بلح ......... كيلو قمر الدين....... يا عم خلصني الراجل في البيت لوحده....... انا اللي جاي الأول..... إنت يا سيدي ....... امسك حرامي و تتداخل الاصوات في صخب فظيع و ضجيج و عجيج و أتلفت حولي فاجدني وحيداً في غرفة بلا نوافذ يكاد الصمت يقتل كل نفس فيها ...

       لا مناص من قبول الأمر الواقع ... ما المشكلة في أن أقضي يومين تلاتة من رمضان في المستشفي أهو تجديد ...... و أحاول ان أعصر زرات الأمل من بين هذه الجبال العاتية من اليأس و قلة الحيلة .

   في المساء دخلت الغرفة فتاة في العشرين من عمرها بدت حزينة مكتئبة و هي تعرفني بنفسها
أنا اسمي الهام ... أنا اللي سهرانة معاك النهاردة ... لو عزت حاجة قول يا الهام أنا قاعدة بره
غادرت الغرفة وجاء أيمن حاولت أقناعه بأن يذهب ألي الفراش للراحة فقد قضي يوماً شاقاً للغاية لكنه أصر علي البقاء و لم يمضي إلا في الثانية صباحاً بعد أن اقنعته بأني نائم  ، كانت حجرته بالطابق العلوي و قبل أن يذهب فرد ملاءة السرير علي جسدي و ضبط موقع يداي وسألني إن كنت أريد شيئاً فأجبته بالنفي و شكرته ، بعد حوالي الساعة أحسست بالوسادة و قد كستها بقع من الدم و كذا ملاءة السرير فناديت
الهام ... الهام
دخلت الغرفة و هي في قمة غضبها
نعم نعم ... فيه ايه ؟
عاوز ملاية سرير نضيفة
مفيش
يعني ايه؟
يعني مفيش ........  الملايات اللي استلمناها خلصت ......... الصبح أبقي أغيرها لك
طيب عاوز مدير المستشفي
المدير مش بيبات في المستشفي
و استشطت غيظاً
يا تروحي حالاً تجيبي ملاية .......يا تروحي تنادي أي زفت أتكلم معاه ....... يا اما أنا هأعرف اتصرف
و التمع الخوف في عينيها و جرت من أمامي و عادت أسرع مما يمكن أن يتخيله أحد بالملاءة وكيس المخدة و أخذت تفرشهم علي السرير و هي تتابعني بعينيها المملوئتين بالتوتر والقلق نظرت الي المخدة نفسها و رأيت ما يخبئه كيسها من قذر يرقد تحتها، و بعد أن انتهت الهام من عملها سألتني
حضرتك تأمر بحاجة تانية؟
لأ ........ شكراً
و انصرفت
اسمعي اطفي النور ......  و واربي الباب ....
بعد أن خرجت أحسست بدموعي تكاد تهزم مقاومتي ، أحسست بالإهانة .......
 أنا الراجل بتاع الملايات أنام علي ملاية بالشكل ده؟!!! ، و علي المخدة دي ؟ مش ممكن ... وكان عزائي الوحيد ان هذه الملاءات تعتبر ملايات خمس نجوم اذا ما قارناها بملايات مستشفي بني سويف العام .. ذلك اذا ما فرضنا طبعاً أنه بامكاننا ان نطلق عليها لقب ملاءة.

ساعات الليل تمضي متثاقلة ، و لا يوجد ساعة ترشدني إلي موقعي من المسافة التي تفصل ضلمة الليل عن ضوء النهار، والنوم يأبي إلا ان يبتعد ،  أحسست بأني أريد أن أدخل الحمام ولكنهم أخذوا مني القسطرة،  ويداي مكبلتان بالشاش لا يمكن ان تلمسا اي شيء .. فكرت اسماعيل عامل النظافة الذي يمكنه احضار المبولة و مساعدتي علي انجاز هذه المهمة الصعبة .... و نا ديت علي اسماعيل و لم يرد احد ... و لما ياست ناديت علي الهام فجاءت مسرعة
اسماعيل مش هنا ...... عاوز حاجة؟
عاوز الحمام ..... ممكن تبعتي لي حد أي راجل عندك؟
مفيش رجالة هنا ..... كلهم بيمشوا الساعة عشرة
طب و انا هاعمل ايه .. عاوز أعمل الحمام
هأبعت لك نشوي
نشوي ... طب ما هي أكيد ست برضه
أيوة لكن دي مش ممرضة دي العاملة

     من هذه النظرة الطبقية تذكرت جملة التاجر الذي قالها للأجير في مسرحية بريخت "الاستثناء والقاعدة" ليس لي أن أجلس بجانبك و ليس لك أن تجلس بجوار الأجير " ياااااه .. لقد عوملت نشوي معاملة الذكر لمجرد أنها عاملة نظافة وليست ممرضة .. أي ظلم .. ولما هذه النظرة الطبقية ؟ و هل كونها عاملة ينفي عنها لقب الأنثي التي تحمل بين جنباتها بعضاً من دواعي  الخجل؟ وهل كونها عاملة ينهي لديها منظومة العيب في مجتمع شرقي كمجتمعنا؟ حاولت ان أشرح الأمر إلي الهام و لكنها لم تعطيني فرصة للتعقيب و أخذ صوتها يهتك سكون الليل
نشوي ........ نشوي ........  انت يا زفتة يا نشوي ..........  كلمي الأستاذ جمال
و دخلت نشوي وأحسست بالدم يكاد ينفجر في عروقي .. ماذا أفعل ... أحساس رهيب بالعجز وقلة الحيلة
و دخلت نشوي؛ امرأة في الثلاثين من عمرها تبدو في حالة نفسية غير مستقرة ،تخرج الكلمات من فمها بصعوبة بالغة
أيوة يا دتور .. أأمر حضرتك
لم أستطع ان أقولها، و تاهت الكلمات من راسي و جف حلقي  و بادرتني بالسؤال
عاوز تعمل حمام؟
لا شكراً .. أصل ...
ولا يهمك أنا زي بنتك ...... مفيش رجالة هنا .....  يلا ما تتكسفش
          وضعتني أمام الأمر الواقع ... أحضرت المبولة ... رفعت الجاون ووجدتني أمام أمر لا خيار لي فيه ، و بعد أن فرغت من الحمام شكرتها و ردت بابتسامة صادقة أحسست معها بمقدار ما أنا فيه من عجز ... قاومت دموعي التي بدأت وكأنها تريد أن تعبر عن ضعفي و قلة حيلتي.... وتذكرت ساعتها كلمات الله جل شأنه ... و لاتمشي في الأرض مرحاً ، إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولاً ... صدق الله العظيم .....  و تداعت إلي ذهني ذكريات الماضي القريب والبعيد و رأيتني و انا أستطيع أن أدخل الحمام معتمداً علي نفسي و أنا آخذ دش وأنا استخدم يدي دون ان أدري اية نعمة أنزلها علي المولي سبحانه و تعالي ووجدتني أتذكرني و أنا أرتدي ملابسي في مهارة فائقة دون الحاجة إالي معاونة أحد .. و أختار الألوان التي تتناسق مع بعضها وأنظر في المرآة إلي نفسي في خيلاء و أنا أعجب بجسمي و نفسي و أضعني مكان الآخر الذي يعجب بي .. إيه الجمال ده ... إيه الطعامة دي .. البرفان ده ايه دانهيل و لا هوجو؟ ... يا سيدي علي البنطلونات الروشة .. طب تعالي نفتح علبة الكانز ... إنت مش عارف؟ ... يووووه ... ضربت لخمة؟ .... هات ...... و تداعب يداي العلبة لتفتحها في لحظات و أنجح ... و أشياء كثيرة استخدم فيها يدي في براعة فائقة و فجاتء أنظر إلي يدي و قد باتت عاجزة حتي عن شد بنطلونل لزوم الحمام.
يااااه  ........ حتي الحمام لا أستطيع أن اقوم به؟ .. هل يدي مهمة إلي هذا الح؟ ... لكني لم أفكر في هذا الأمر في يوم من الأيام ... سبحان الله .. ده البني آدم ده مخلوق تافه جداً ... و نظرت إلي نشوي نظرة امتننان لأنها وضعت هذه الحقيقة السافرة أمامي بجلاء فردت علي نظرتي بكلمات ملؤها البراءة
مش قلت لك انا زي بنتك
أنت عندك ولاد؟
ايوة .. اتنين
طب ليه بتباتي في المستشفي ؟
أصلي متطلقة و ما عنديش مكان أبات فيه
أمال ولادك فين؟
قاعدين مع أمي في البلد و طليقي اتجوز واحدة تانية في الأودة بتاعتي
و إنت هاتعملي إيه يا نشوي ؟
هاروح إسكندرية .. فيه هناك مستشفي حلوة و بتدي فلوس كتير
طب و ولادك؟
خلي أبوهم يربيهم ......... و لا أقولك خلي مراته تحميهم و توكلهم .. الله يخرب بيت أبوها زي ما خربت بيتي .. و علي أيه و هيه مالها ........ هو اللي حمار بيضحي بيا عشان واحدة جربانة زي دي
تأمر بحاجة ؟
لا شكرا
تركتني نشوي وحيداً بالغرفة و أنا في اشد لحظات حيرتي .... هو مفيش حدج مبسوط في الدنيا؟
حتي أنت يا نشوي؟ حكمتك يا رب

بعد معاناة تبزغ الشمس .. أحس بدفئ شعاها الذي أرسل ضوءة إلي الغرفة من بعيد و معه أرسل أم محمد بأدوات نظافتها تسكب المياه و مساحيق النظافة علي الأرض و أصوات المساحة والمكانس تعمل في منظومة صوتية شديدة الإتقان ، ياآآآآآآآه ... لا استطيع أن  أقنع عيني بأن يداعبها النوم و تذكرتني في البيت إذا فتح أحدهم باب غرفتي و استيقظت كانت الزوابع ستنطلق و المحاضرات ستلقي أما الآن فأنا اشعر بالعجز فقط العجز.
و ما هي إلا لحظات حتي يأتي ريس العمال ..
يا أم محمد تعالي نشفي الطرقة .....  الأرض لسة مبلولة .. مفيش فايدة .. فين الواد اسماعيل .. لازم أنشه جزا عشان ييجي في ميعاده ... حاجة تقرف ...... ما تخلصي انت كمان ...

       و أحاول جاهداًً أن أمسك بخيوط إغفاءة قصيرة لكن بلا جدوي ،  .... ذهب النوم مع  ما يجري حولي من احداث ...
مع اقتراب عقارب الساعة من الثامنة بدأت الحياة تدب في القسم ... صوت الدكتورة سهير يأتي من بعيد حاملاً التعليمات الصارمة بإعداد أكياس الدم و الأدوية و كذلك إعداد المرضي للغيارات و الحمامات ...
بعد دقائق دخلت الدكتورة سهير إلي غرفتي و هي سيدة في الخمسين من عمرها بابتسامتها الجميلة الصافية لا تفارق وجهها المريح
ازيك يا دكتور جمال
الحمد لله يا دكتورة ...... أنا بخير
اسمي الدكتورة سهير .. حالتك كويسة و إنشاء الله ربنا يتم شفاك بأسرع ما يمكن ........ ده ابتلاء من ربنا و فيه الخير لك انشاء الله
انشاء الله
النهاردة هاتاخد حمام دافي و تغير علي الجرح ... ما تقلقش كله هايبقي تمام
كانت تبذل جهداً فائقاً لتدخل الطمانينة إلي قلبي ... صدقت و تسرب الاطمئنان الي داخلي فقط من أجل هذه المرأة الجميلة
بعد قليل دخلت مروة الحجرة و ابتسامتها الطفولية تعلو وجهها السمين ...
ابسط يا بيج بوص .. أنا اللي معاك النهاردة ...
و سعدت بالخبر لان جسوراً من الثقة كانت قد مدت من لحظة نجاح مروة في انتزاع عينة الدم من الميرة الأولي و هو ما فشل فيه الأطباء
قوم بقه عشان أغير لك ملاية السريرعلي ما ييجي دورك في الغيار ....
و تبدأ مروة في تغيير ملاءة السرير و أكياس المخدات و أنا جالس علي كرسي بجوار السرير وأكاد أفقد توازني من شدة التعب و الارهاق وما هي الا لحظات حتي تأتي مس هويدا رئيسة الممرضات
يلا يا مروة هاتي الاستاذ جمال عشان يغير
و أنظر إلي مروة مستفسراً عما سيحدث فتطمئنني علي الفور
ما تقلقش دي حاجة بسيطة خالص .......  بعدين أنا جاية معاك ...... مش ممكن أسيبك لوحدك أبداً ..

         و صحبتني مروة إلي غرفة الحمام ... حجرة مقبضة ... في منتصفها يوجد  حوض كبير يشبه حوض مصانع البلاط ... وعلي جانب الحائط الأيمن يوجد تروللي يشبه تروللي الإسعاف ... و كذا يوجد العديد من جراكن مطهر البيتادين و حنفية مياه و خراطيم .... وحول الحوض وقفت نوال الممرضة وهي لا يمكن إلا أن تذكرك بعشماوي فهي في الخمسين من عمرها وتمتلك نظرة حادة و ملامح جامدة و أيدي خشنة تتوائم مع نظراتها المتجهمة و صوتها الذكوري الحاد.
بجانبها تقف مدام ايمان وبالرغم من انها تعمل في وظيفة ادارية بعيدة عن التمريض إلا انها وهبت طاقتها للمساعدة في حمامات المرضي ... سيدة رقيقة تخفي وراء سمار وجهها ابتسامة ملؤها الرضا ... و علي رأس الحوض وقفقت الدكتورة سهير بنفسها و ابتسامتها تسبق كلماتها .. علي خدها توجد نغزة جميلة تزيدها حلاوة علي حلاوتها ... وقفت بجانبي مروة ..
يالا يا بيج بوص اقلع
و نظرت اليها بدهشة .. فقالت خلاص اطلع – و اشارت إلي التروللي القابع علي جانب الحائط الأيمن .. فقلت
 ... كيف؟
 .. قالت
لا تقلق ...........  سأساعدك ...
         وضعت جسدي علي التروللي و التي كانت طاولته مصنوعة من شرائح المطاط و أدخلوا الترولي في حوامل حديد متصلة بالحوض الكبير و ضغط العامل علي زر بدء علي أثره التروللي في التحرك لأعلي و طرت في الهواء حتي أصبحت علي نفس مستوي الحوض ثم بدأ التروللي في الهبوط داخل الحوض ، طلبوا مني رفع يدي و ما أن رفعتها الا وبدأت الست نوال في تقطيع الشاش المحيط بزراعي ثم تنزعه نزعاً ، أحسست بان المشرط سيكمل علي البقية الباقية من يدي .....  مع إشتداد الألآم بدأت أقاوم احساسي بالصراخ ، كانت الآهة تخرج من فمي مكتومة مصحوبة بأنين ، كنت أري أنه من العيب أن أصرخ رغم أنني كنت أتمني أن أصرخ بأعلي صوتي و أقول .............. آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه .، بما كان في مقدور هذه الآهة ان تخفف قليلاً من آلامي ، وقتها تذكرت الصراخ الذي كان يأتي من الغرفة المجاورة، علمت أنه كان صراخ التوأم أحمد و محمود صلاح و التمست لهما في هذه اللحظة الكثير من الأعذار ، فانا في هذه السن أشعر بالرغبة في التأوه طلباً لتخيف الألم فماذا عسي أن يفعل طفلاً في الثالثة عشر من عمره ... كان الله في عونك يا أحمد و أنت يا محمود ... رباه ... أفوق من أفكاري علي وجه نوال الجامد المليئ بالتجاعيد و هي تسكب البيتادين علي يدي العاري جلدها و أنا اصرخ من فرط الألم ... لم تفلح محاولاتي في كبت الآهة هذه المرة ........ خرجت مني الآهة مسرعة دون ان أتمكن من الإمساك بها ... عندها صرخت الدكتورة سهير في نوال
ايه ده يا نوال ... حد يعمل كده ؟ ... بالراحة علي الراجل ... لمؤاخذة يا دكتور جمال ... امسحها فيا المرة دي ...
حاولت افهامها أنني لم أحصل علي الدكتوراه بعد ... فقالت
مش كده كده هاتاخدها إنشاء الله ..... و بعدين انا شايفاك دكتور و أستاذ دكتور كمان ...... وأخذت تضحك ضحكتها التي حفر صداها في أذني حتي هذه اللحظة .... ثم اقتربت مني وأخذت تربت علي كتفي...
 إنشاء الله ها تبقي زي الفل.... 
لم تتوقف نوال عن سكب البيتادين علي يدي فخرجت مني آهة مكتومة تشجعت علي أثرها ونظرت إلي نوال نظرة عتاب فبادرتني بالرد ..
انت زي الفل ... الجرح بسيط  ....
ثم ابتسمت ابتسامة صفراء لم تتمكن من دخول قلبي .. فتنفست نفساً عميقأ .... و استسلمت لأمري الواقع ... ووجدتني اقول لنفسي ... لا خيارات  و تذكرت جورج قرداحي ........ لا يمكن الاستعانة بصديق ... و وجدت لساني ينطقها .. استعنت بيك يارب .. الحمد لله ... الحمد لله
عندها دخل الدكتور نبيل الغرفة ...
أيه الأخبار ؟
بادرته الدكتورة سهير بالرد
كويس يا دكتور .. متهيألي ممكن الجرح ينشف مع الوقت
فرد نبيل .....
لآ ........  لازم عملية ترقيع .... إنت تستحمل إننا نشيل كل الصديد ده من علي ايديك من غير بنج
وأمسك بيدي و أخذ يزيل جزء من الصديد بقطعة شاش أمسك بها .. أحسست بسكاكين تمزق يدي  فصرخت بلا وعي و سحبت يدي ...
فأبتسم نبيل ابتسامة لها مغزي
مش قلت لك ... لازم عملية ..
وحاولت أن انتزع منه ما يطمئنني
طب العملية دي بسيطة يا دكتور ؟
عملية الكحت بسيطة مش ها تحس بيها
  و تبرع بشرح عملية الترقيع
أما بقه عملية الترقيع فهيه اللي فيها المشكلة لأننا لازم نآخد جلد من فخدك و ندخله ماكينة يتشرح يطلع شبكة نخيط الشبكة حوالين دراعك ... بس
و تخيلت كل ما قاله ... و تعجبت من البساطة التي القي بها هذه المراحل في وجهي .... كان يبدو كمن يتكلم عن آلات لا عن بشر ... شعرت بحالتي الدكتورة سهير فألقت بنظرة عاتبة في  وجه نبيل الذي استدار و خرج من الغرفة معترضأ علي دلع الدكتورة سهير لنا واسرعت الي
انت ها تكون في البنج مش ها تحس بحاجة و ها تبق زي الفل انشاء الله .. و بكرة تخرج من المستشفي و تييجي تزورني و افكرك بكل اللحظات دي و ساعتها هاتضحك و تستخسر أعصابك اللي بتحرقها في قلقل علي الفاضي ..

      رغم علمي بأنها تبسط من الموضوع .. لكني آثرت ان أصدقها ..... صدقتها و أخذت خواطري تسرح في لحظة الخروج من المستشفي و تخيلتني في الشارع أقود سيارتي بسرعة لألحق بموعد في المصنع و في البيت أنادي علي زوجتي و أطلب منها أن تجهز الغذاء بسرعة لأني لابد أن أنزل إلي المسرح حالاً و في الكلية و انا القي محاضرة طويلة و كلما شارفت علي الانهاء يرفض الطلبة و يطالبون بالمزيد و في المسرح  حيث تدور رحي البروفات و الجميع متحمسون لكي نقدم عرضاً يصبح حديث مدينتنا وعلي الكافيتيريتا حيث حديث الاصدقاء الذي لا تنقصه المتعة و الضحك حتي تمتلئ عيوننا دموعاً و أري صورة شلتنا بوضوح الخشاب والسعدني و ياسر عبد العزيز و إيهاب يوسف و أحمد مصطفي .. الجميع يضحكون وأنا أضحك معهم حتي تنهمر عيني بالدموع من شدة الضحك ....  و فجأة أجدني أصرخ وتخرج من فمي آهة تمزق سكون الغرفة وأنظر بجواري فإذا بالست نوال تمسك بقطعة شاش و تحاول كحت الصديد من علي يدي مثلما كان يفعل الدكتور نبيل ،و لا تسمح لي بسحب يدي
ما هو انت لازم تستحمل ... أنا موافقة مع رأي الدكتورةى سهير .. إنت مش لازم تعمل عملية الكحت .. حبة الصديد دول ممكن نشيلهم يلا استحمل و بلاش دلع ..
و عاودت الكرة و عاودت الصراخ و لم تتوقف الا عندما نهرتها الدكتورة سهير بقوة
ما ينفعش كده يا نوال .. الراجل ها يغمي عليه من شدة الالم ... اللس شايفه الدكتور هو الصح .. دي مسئوليته .. و ده تخصصه .
ثم نظرت إلي نظرة ملؤها الحنان
انا آسفة يا دكتور جمال ..... آسفة لكل لحظة ألم عشتها بسببنا .. يلا نكمل الحمام .. ما تقلقش ده محلول ملح و مية دافية .. خلاص مفيش ألم .....
وأخذت تسكب الماء الدافئ علي جسدي برفق ... أحسست كأنها أم تحنو علي طفلها ... ساعتها تذكرت زوجتي و هي تفعل الشيئ نفسه مع طفلي عبد الرحمن ... لم يكن هناك من فروق كثيرة بين موقف الدكتور سهير و موقف زوجتي مع طفلي عبد الرحمن إلا ان يداي لا تصلح للعبث بالماء كما يفعل عبد الرحمن و كذا لا أستطع أن أضحك ضحكته الجميلة التي يتراقص معها قلبي فرحاً .
يلا قوم معايا عشان نغير لك في الأودة التانية
و عاونتني الدكتورة سهير و معها مروة و نوال مضطرة دون أن تتخلي عن عبوسها المقبض.

           في الحجرة المجاورة القيت بجسدي علي التروللي ، سكب دكتور نبيل المراهم علي يداي و لفهما بالشاش ، ألبسوني جاون جديد ، ساعدتني مروة علي الدخول إلي غرفتي قألقيت بجسدي الهامد الذي هدته المضادات الحيوية علي السرير، أحسست انني أريد ان أنام فأغمضت عيني و استسلمت لنوم عميق .

       في المساء دخلت إلي الغرفة فتاة في التاسعة عشرة من عمرها في عينيها ارتسمت ملامح الخوف والقلق، اقتربت من السرير بخطوات متثاقلة، و تلعثم لسانها عدة مرات قبل ان تبدأ في التحدث
اسمي صابحة .... انا سهرانة مع حضرتك النهاردة... الساعة عشرة هآجي عشان أدي لحضرتك برشامة الضغط ..
و استدارت مسرعة .. ثم توقفت عند الباب ...
أنت اتعشيت؟
لأ ..... شكراً .. ماليش نفس  ....
نظرت إلي صينية الطعام الرابضة علي الطاولة و بجوارها الزبادي المخصص للعشاء.
ايه ده ... ده الغدا كمان زي ما هو...
وعادت إلي الغرفة ولكن هذه المرة بخطوات اكثر جرأة
إنت لازم تآكل كويس عشان أنسجة الجلد تتكون بسرعة .....
من نبرات صوتها و لهجتها التي تعرج إلي اللهجة الريفية في بعض الكلمات تشعر بالكثير من الأصالة و في قسمات وجههت تتجسد كل عناصر الطيبة و من مجرد النظر إلي عينيها تشعر أن الدنيا لسة فيها ناس طيبين.
هيه قلت ايه يا دكتور جمال ؟
دكتور؟ !!!!! ..
و عرفت منها أن الدكتورة سهير مررت فكرة الدكتور إلي جميع العاملين بالمستشفي أطباء ومرضات ...
ابتسمت و عينيها ترجوني بالموافقة ... ابتسمت .. أومأت براسي بالموافقة .. مدت يدها إلي كوب الزبادي .. فتحته .. غرست الملعقة بداخل الكوب .. اقتربت مني .. مالت نحوي .. أودعت الملعقة بفمي .. سحبت يدها .. ابتسمت ...قال بصوت ممزوج بالخجل... 
هيه .. جميل .......... صح؟
فبادرتها بالجواب .....
جميل عشان منك .. اسمك جميل .. صابحة .. بجد .. اسم جديد و جميل
و كست و جنتيها حمرة الخجل
يا سلام .. أول مرة حد يقولي كده ... طيب لو انت مبسوط من اسمي يبقي لازم تكمل كباية الزبادي . يلا افتح بقك ...
بعد ان فرغت من كوب الزبادي ... القت بابتسامة صافية ملأت أركان الغرفة الموحشة بالبهجة ثم فردت الملاية علي جسدي و ضبطت المخدتين أسفل ذراعي وأطفات النور ووقفت عند الباب
يلا حاول تنام الساعتين دول قبل ماييجي ميعاد العلاج .. تصبح علي خير...
لحظة أن خرجت صابحة من الغرفة تذكرت باسنت .. تحس في هذه البنت بحنان الأبنة .. ماذا يمكن ان يفوق حنان طفلة علي أبيها ... رسمت ابتسامة علي وجهي و حاولت أن أنام .... إلا أني بدأت أستعيد ما حدث في الأيام الماضية ، نظرت حولي حاولت أن أتيقن من أن ما يحدث هو الحقيقة ، حاولت ان أضع احتمال و لو واحد في المائة أن ما يحدث حلم عابر سرعان ما سأصحو منه ، لكن الواقع فرض نفسه بعنف و قسوة مبالغ فيها ، المحاليل المعلقة في رقبتي قالت إن ما يحدث حقيقة ، السرير الذي أنام عليه والذي يختلف جملة و موضوعاً عن سريري في المنزل يقول إن ما يحدث حقيقة المخدات المحشوة بالعفن تجزم أنني لست في حلم عابر حتي وجه صابحة الجميل و سحنة الهام المتجهمة تقول إنني حرقت ، و اذا كان ما أنا فيه حلم فمن تكون الدكتورة سهير؟ و ما الذي أتي بنوال و من هو الدكتور نبيل و من أين له بهذا القدر من القسوة ... النهاية أنه الواقع .. و ان سامية جمال قد ماتت ... ودخلت سامية إلي مخيلتي هذه الليلة و لم تغادرها إلا بعد أن اشرقت شمس يوم جديد.

        لقد عرفت سامية جمال كراقصة فنون شعبية تمردت علي الرقص و قررت أن تخوض تجربة التمثيل، و كان عرض بنات اسكندرية الذي كان آخر عرض تقدمه فرقة الإسكندرية هو الفرصة الأولي التي أري فيها سامية جمال علي خشبة المسرح ، أعجبت بتلقائيتها و قررت أن أستعين بها في أول فرصة ممكنة ، كان أدائها يتميز بدرجة عالية جداً من الصدق ، و كانت حركتها مملؤة بالخفة و الرشاقة و لم تخلو نبرات صوتها من ألوان عدة تحمل بين جنباتها أملا في ممثلة متكاملة الصفات .... كان التعاون الأول في عرض رحلة حنظلة من الغفلة إلي اليقظة ، التحق جميع ممثلين المسرحية بالعمل معي قبل العرض باسبوعين فقط و خلال هذه الفترة البسيطة كانت سامية جمال مثال الممثلة الملتزمة الفاهمة الواعية بأبعاد الشخصية التي تؤديها ، أما التعاون الثاني بيننا فكان تجربة لم تكتمل حيث رشحتها للقيام بدور الأم في مسرحية القفص عام 2001  . و نظراً لظروف عمل سامية فلم تستطع الالتزام و المواظبة فما كان مني إلا أن أعفيتها من القيام بالدو الذي قامت به من بعدها الفنانة توتي أحمد وبعد عام قدمت المسرحية علي مسرح الهناجر و قامت بالدور هذه المرة الفنانة السكندرية القديرة عارفة عبد الرسول .

      أما التعاون الثالث و الأخير فقد كان في مسرحية يهودي مالطة عام 2002 و قد أبلت سامية بلاءً حسناً في هذا الدور رغم الصعوبات التي واجهتنا كفريق عمل و التي أدت إلي خروج العرض بصور لم أرض عنها رغم أشادة الكثيرون به و بالرغم من أن العرض حصل علي أعلي تقدير لعروض الاسكندرية لهذا العام.

       و بالرغم من قلة عدد العروض التي عملنا فيها سوياً إلا أنه كانت هناك علاقة قوية للغايىة علي المستوي الإنساني بيني و بين سامية ، وفي كل عرض تأتي سامية لتقول جملتها المشهورة لي ..
يا عم أرضي عننا .. خلينا علي قد المقام و شغلنا معاك ..
و بعد عرض مس جوليا الذي قدمته في يونيو 2005 . لم تستطع سامية دخول العرض لأنها جاءت متأخرة خمس دقائق علي موعد العرض و كان النظام الذي وضعته يقضي بغلق الباب ومنع الدخول فور بدء العرض فما كان من سامية إلا أن تركت لي رسالة علي ظهر الدعوة تشكرني فيها علي المجهود الذي بذلته للحضور و الذ ي انتهي دون ان تشاهد العرض. و في المساء قالت لي
بالرغم من اني متغاظة أني تعبت علي الفاضي ....... و بالرغم من اني منقوطة لأني ما شفتش عرض كل الناس بتقول انه عرض رائع ...إلا أني سعيد انك بترجع لنا زمن احترام المسرح ..... الزمن الجميل اللي فقدنا احساسنا بيه من كتر الاستهتار اللي موجود حوالينا ... بس برض عاوزة أشوف العرض
وعدتها كان ذلك يوم الجمعة 25/6/2005 و هو اليوم الخامس و الأخير لعروض جوليا ووعدت سامية بأننا سنعيد عرض المسرحية في أغسطس القادم إنشاء الله ... و قد كان .. أعيدت المسرحية وكانت سامية أول الحاضرين شاهدت العرض بتركيز شديد .. أعجبت به كثيرا وتناقشنا حوله طويلا و بعده قالت
استاذ جمال ... ممكن بقي من فضلك أشتغل معاك السنة دي؟
فبادرتها بالرد .. طبعاً و دورك محفوظ
كنت قد قررت أن أخرج مسرحية البارافانات لجان جينيه لقصر ثقافة الانفوشي .. و كان دور الأم هو الدور الملائم لسامية .. اتفقنا أن نجلس سوياً للتحدث في تفاصيل الدور و دراسة أبعاده فور العودة من بني سويف ......... و لم تعد سامية و ولم نجلس و لم نتناقش .. لكنها ذهبت وتركت الجميع يبكونها دماً ........  ذهبت و تركت لنا عصام و رباح .. طفلين فيهما الكثير من سامية ...و وجدتني افكر .. ماذا يفعل عصام الآن ؟ هذا الطفل الذي لم تنطفئ ضحكته في كل اللحظات التي قابلته فيها ... تذكرت عصام و رباح و حبهما الشديد للفنان أحمد السقا .. تذكرت ليالي الحلمية و سامية و هي منكبة علي الطاولة تهزم الجميع .. تذكرت الأنفوشي و خشبته التي طالما شهدت تألقك يا سامية ... رحمة الله عليك .. و لم أستطع أن أقاوم دموعي بعد أن أيقنت أن سامية قد ماتت ... و بدأت الصور تتعارك في ذهني .. سامية تحاول التخلص من النيران التي أمسكت بها ..... تصرخ من فرط الألم الناجم عن جلدها الذي يتساقط علي الأرض أمام عينيها .. صورتها و هي ملفوفة بكفنها دون حراك .. صورة سامية و الجميع يشيعونها إلي مثواها الاخير ..... و تزاحمت الصور علي رأسي و لم تتوقف إلا مع صوت أم محمد و هي تدخل الحجرة لتنظيفها لحظة شروق الشمس .

في الصباح جاء الدكتور نبيل
صباح الخير ...
صباح الخير يا دكتور
ايه الاخبار؟
الحمد لله .. حاسس إني أفضل ........ كنت أطمئن نفسي
لسة بدري ... ما عندكش غيار النهاردة ....
هو لازم عملية الكحت دي يا دكتور ؟ ما يمكن الصديد يخلص مع الوقت و المراهم
مش ها يخلص لازم نكحت الصديد من إيدك عشان نرقع علي نظافة
أحسست كانه يتحدث عن صيانة ماكينة لا عن إنسان .. لحظتها تمنيت لو أنني عروسة بلاستيك لا تشعر و لا تحس و تداعت إلي ذهني أمرين الأول قولة أحمد السعيد المأثورة
أنا إنسان مش بلاستيك
و الثانية تلك الرباعية التي كتبتها عندما عندما رأيت ابنتي باسنت و كان وقتها عمرها لا يتعدي العامين تمسك بعروس بلاستيك و تلقي بها علي الارض ثم تأخذها و تهينها دون أن تملك العروسة من هذا السلوك رفضاً تمنيت في يوم من الأيام أن أكون عروساً مثل عروسة باسنت حتي لا أعي و لا أدرك غدر الناس من حولي
تقول الرباعية
يار ريتني زيك جماد لا حس و لا احساس
لا اغضب و لا ازعل لما بالنعال انداس
لكن عجبي جوايا عقل بصير
و أقدر افرق بين الشرفا و الأنجاس
سرحت بخاطري مع الرباعية و العروسة البلاستيك و نسيت الدكتور نبيل الذي اختفي من أمامي دون أن يلقي علي مسامعي كلمة تهدأ النيران المتاججة في صدري.
في الواحدة ...جاء موعد الزيارة دخل أيمن الغرفة
إيه يا جيمي الاخبار ؟
قصصت له ما عرفته من الدكتور نبيل.........  أخرجت كل ما في صدري من هم و ضيق ....... استوعبني أيمن هدأ من قلقي .. توافد الزائرون ... كانت الزيارات تمنحني طاقة للتحمل ... و قد سمعت عن ان نظام الزيارات في مستشفي الحلمية صعب للغاية و انه لا يوجد مرافقين مع المرضي .. حمدت الله علي ما انا فيه من نعمة الاتصال بالآخر ... انتهت الزيارة ..جاء ايمن بصينية الغذاء و أصر علي أن آكل الآن ... أطعنني .. بالرغم من ان العلاقة بيني و بين أيمن لا يعتريها أي نوع من الحرج إلا أنني أحسست بعجزي حتي عن أن اطعم نفسي ... العجز كلمة تردد صداها كثيراً في تجربتي هذه
في المساء جاءت صابحة ... تنفست الصعداء ... قلبي يرتاح لهذا الوجه ...
علي فكرة انا سهرانة معاك النهاردة ...
يا أهلا و سهلاً
و كل يوم ...
معقولة ؟ بس ده مش النظام اللي هنا ...
أصل أنا مش بشتغل في قسم الحرق ..
آمال فين
أنا بأشتغل في قسم العلاج الفندقي ...و لما أنتم جيتم انتدبوني هنا .. و أنا قلبي ضعيف و مس ليلي الريسة تعرف كده .. عشان كده ثبتتني معاك بناءً علي طلبي لأن حالتك خفيفة بالمقارنة بغيرك ........ و بعدين انا اللي طلبت منها عشان انا ارتحت لك ... حاسة انك زي بابا ....

     كان وقع الكلمة جريحاً علي قلبي .. عشقت هذه الفتاة و تمنيت أن تكون فعلاً أختاً لباسنت وعبد الرحمن ....
في العشرة جاءت بجهاز الضغط و العلاج و بعد ان فرغت من عملها قالت لي ...
وشك بدأ يقشر .. استحمل معايا شوية عشان نبوش القشر بمحلول الملح
دي تعليمات الدكتور ؟
لأ ... بس خلينا نعمل ده واحدة واحدة بدل ما يشيلوه بعنف في عملية الكحت
و اومأت براسي موافقاً ... ذهبت صابحة و عادت و معها محلول الملح و الشاش و ... كانت رقيقة جداً .. أحسست بآدميتي .. أحسست بانسانيتي .. لمسني خوفها و حرصها و قلقها ... بعد أن فرغت شكرتها .. ردت بابتسامتها الصافية و جملتها المعهودة .. يا سلام و كست وجنتيها حمرة الخجل و غادرت الغرفة ....
حتي هذه اللحظة لم أكن أعلم من معنا بالمستشفي .... لقد كنت ملازماً للفراش لا اغادره ... حاولت أن أرتاح هذه الليلة ... أحسست برغبة في النوم ... لابد أن انام ... لا يجب أن يحدث ما حدث الليلة الماضة .. تحركت صور سامية و ياسر في راسي .. قاومت فكرة الاستسلام لهذه الصور .... و تغلبت علي الوساوس و الافكار السوداء حتي رحت في سبات عميق .

           في حوالي الثالة فجراً .. استيقظت علي من ينادي ...
يا دكتور يا دكتور ..
في بادي الامر ظظننت أنها نشوي ...
قوم يا دكتور ... القسطرة اللي انت حاططها لي بتوجعني ... يلا قوم غيرها ...
حاولت أن افتح عيني .. كان الظلام يلف المكان ... بمجرد أن فتحت عيني وجدت شخص ما يقف أمام الباب و يحمل في يده شيئاً .. أعتقدت اني أهلوس .. أحلم  ... مع مرور الوقت بدات الصورة تتضح تدريجياً و يا ليتها ما اتضحت ... وجدت أمامي فتاة في حوالي العشرين من عمرها وججها مشوه من كثرة ما به من حروق ... و يداها مكبلتان بالشاش ... و تتجه نحوي بخطوات متثاقلة و هي تحمل قسطرتها في يدها و تطلب مني تغييرها ... ما كان ينقصني إلا هذا
خليكي عندك ... رايحة فين .... ؟
غير لي القسطرة يا دكتور ...
قسطرة ايه يا بنتي .. أنا مش الدكتور
لأ قالوا لي ان اسمك الدكتور جمال .. يلا يا دكتور غير لي القسطرة .. عشان بتوجعني حرام عليك
و اتجهت خطوات أخري في اي اتجاههي ....
أخرجي برة .. يا صابحة يا الهام انتم يا للي برة ..
و دخل الجميع غرفتي ... كانت زينب هي أول من دخلت أمسكت بمروة و قسطرتها و ألقت بها خارج لغرفة ... و والتففن جميعن حولي محاولات تهدئتتي
منك لله يا دكتورة سهير ... آدي آخرة الدكتوراه اللي انت اديتها لي ...
و بمجرد ان قلت هذه الجملة غرق الممرضات في الضحك ثم انتبهن لصوت زميلتهن التي بدأت في الصراخ لأن مروة دخلت عليها و هي تعطي العلاج لمريضها فكاد يغمي عليها ... فأخذن جميعاً في الجري لانقاذ زميلتهن .. و عرفت بعد ذلك أن هذه الفتاة اسمها مروة و أنها تعاني من بعض الخلل العقلي و أنها حاولت الانتحار بأن تحرق نفسها .. فتعجبت من الناس الذي يسعون إلي النار بـأنفسهم ووجدتني أقول لنفسي:
معقولة .. طب كانت تعمل بدل معانا .. الموضوع ما كانش هايكلفها اكتر من تذكرة سفر لبني سويف و تدخل تشوف المسرحية و الباقي القدر ها يتكفل بيه .. ولعت في نفسها ؟ يا خرابي
 و تعجبت كثيرا .. و حاولت ان أعاود النوم مرة أخري لكن النوم ابي إلا ان يخاصم عيني .



نسبة الوفيات 100% لمحروقي الأهالي
 كانت اللحظة الأكثر صعوبة من الناحية النفسية و انا في مستشفي السلام تلك اللحظة التي دخلت فيها رشا الممرضة لتخبرني بموت محمد فاروق الذي دخل المستشفي من أيام قليلة و هو من خارج مجموعة بني سويف ، احسست لحظتها بانقباضة و أخذ شبح الموت يتراقص أمام عيني ، سادت المستشفي أجواء صمت كئيبة قطعتها صرخات هتكت سكون الليل ، كم هو موحش صراخ الموت ، كم هي مرعبة لحظة العويل ، يا حبيبي ,,,, يا غالي ... يا خسارة شبابك يا أخويا ... كان لسة بدري عليك يا زينة الرجال ... جمل كثيرة من هذه النوعية أخذت تتواتر علي اذني وبين الحين و الحين يدخل من يتبرع بسكب أخبار الموت علي أذنيا ... ده أمه مبهدلة نفسها
بصراحة حاجة تقهر
ما كانش باين عليه إنه هايموت
دي حالته كانت افضل منك ... تصور
يلا ... الله يرحمه ...ما شفناش منه حاجة الكام يوم اللي قعدهم معانا ... كان زي النسمة
و لم تتوقف هذه الأهازيج إلا عندما صرخت في الجميع
ارحموني بقه .... كفاية ... سيبوني لوحدي

ارتبطت الحجرة الملاصقة لحجرتي بكل ما هو أليم من الذكريات فمروة التي دخلت علي عند الفجر جاءت لتقطن هذه الغرفة بعد أن انهت فترة علاجها في العناية المركزة ، أما قبل مروة فكان هناك مريض من مدينة السلام اسمه خلف كان قد حرق نفسه و ظل بالغرفة ذاتها فترة ثم جاءني اسماعيل في صباح أحد الأيان ليخبرني بموت خلف ، أما مروة فقد ماتت بعد أن غادرت المستشفي بأسبوع في حين كانت الضحية الأخيرة لهذه الغرفة أسمها همت .
خمس مرض محرقون دخلوا المستشفي بعيداً عن حادث بني سويف و جميعهم ماتو ... تذكرت كلام احد الأطباء الذي قال لي أن 95% من مرضي الحروق في مصر يموتون ..وجدتني اقول لا 100% ماتوا و أنا الشاهد .... هل يعقل هذا مات الرجل الاول الذي لا اعرف اسمه و مات خلف و ماتت مروة و ماتت همت ثم مات عم عبد الحميد بعد أن خرجت من المستشفي بفترة وجيزة و كان قد دخل المستشفي قبل خروجي بأسبوع و كثيراً ما قابلته و رأيته و هو يدخل الحمام .. رايته بعيني يمشي بمفرده في طرقة قسم الحروق .. هل يعقل هذا؟
أما همت فقد كانت سيدة فى حوالي الخمسين من عمرها سمين  للغاية .. وضعوها في الحجرة اياها ..جاءت تعاني من حروق جسيمة ناتجة عن محاولتها الانتحار .. الغريب في أمر همت أنها كانت لا تتوقف عن الصراخ و الزعيق و هي المريضة الوحيدة التي وافقت المستشفي علي وجود مرافق لها طوال الوقت داخل الغرفة إلا أن أحداً من أهلها لم يوافق علي البقاء معها، كانت داائمة التذمر و كان لها صوت أجش مميز و لأني كنت اقطن الغرفة الملاصقة لها فقد عشت كل معاناتها من أجل ان تشرب ، أن تأكل ، و يالها من لحظات تعسة تلك التي تقرر همت فيها أن تدخل الحمام، و مشكلة همت باختصار تتلخص في أن وزنها ثقيل للغاية و الممرضات لا يقوين علي حملها و هي كثيرة الطلبات بشكل مبالغ فيه ، هذه الاجواء المحيطة بهمت وضعت أمامي إلي حد ما تفسيراً لنفور منها و عزوفهم عن البقاء معها بالمستشفي.
في احدي الليالي الصيفية بمستشفي السلام استيقظت من النوم علي صراخ همت الذي كاد أن يخرق أذني ... يا زينب ... ياللي بره ... أنتم باللي برة ... و لم يرد أحد .. كانت الممرضات قد وضعن أصابعهن العشر في الشق ...قررن أن يتعاملن مع همت علي أنها سراب .. خاصة بعد طلباتهن المتكررة لإدارة المستشفي بضرورة وجود مرافق من اهلها معها ليقوم بأطعامها و ادخالها الحمام .... لن ترد أية واحدة علي همت .. فأخذ الصراخ في التصاعد ... ثم هدأ قليلاً فقليلاً ... و ما هي إلا لحظات و كانت هنا تجلس علي كرسي متحرك طلبت أن يوضع امام باب غرفتي ... و في لحظة تعسة فتنحت عيناي لأري  همت أمامي من خلال الباب الموارب ..لم تقل شيئاً .. لم تتحرك .. لكنها كظلت ناظرة إلي بتركيز شديد ...و هي ترتدي الجاون  و لأنها كانت سمينة جداً فقد ألبسوها أثنين واحد من الأمام و آخر من الخلف خاصة بعد ان بدات تعتمد علي نفسها و تدفع جسدها العاري الثقيل علي الكرسي المتحرك لتزور باقي نزلاء المستشفي .. في هذا اليوم ملأت صرخات الرعب أرجاء المكان .. و قرروا الباسها اتنين جاون بدلاً من و احد .. نظرت الها و هي شاخصة أمامي .. كانت الحروق قد أكلت جزءً كبيراً من و جهها و بقايا شعرها منثورة علي وجنتيها المحروقتين .. أما يداها فقد تم تكفينهما بالشاشا الابيض ... صورة بشعة لا يمكن ان اتلافي هجومها الدائم علي ذاكرتي .. حاولت أن أسحب الغطاء علي وجهي .. فعلت .. لمني تخيلتها تأتي إلي داخل الغرفة .. أخرجت رأسي من تحت الغطاء .. ناديت علي زينب و رجوتها أن ترحخمني .. فكفاني ما فعلته بي مروة.. فذهبت إليها و سحبتها بكرسيها غلي داخل الغرفة و هنا بدأت همت في الصراخ.
لم يتوقف الصراخ إلا علي صوت همت .. و هي تنادي أيوة يا عماد أنا هنا ... و اعتقدت في البداية أنها تخرف لأنه لا يوجد اي رجل في المستشفي في مثل هذا الوقت ..و لا يوجد كذلك ممرضات فقد رحن جميعاً في نوبة نوم عميق ..  فقد قاربت الساعة علي الخامسة صباحاً .. إلا أنت صوت عماد أكد أن هناك رجل ما .. و لكن كيف؟ و أخذ الفضول يعابثني .. نهضت من علي سريري بصعوبة بالغة .... و هنا لم أري شيئاً .. لكني سمعت عجباً ..
حط ايدك علي السور عشان اشوفك
اتحرك يمين شوية يا عماد أنا هنا  ... و هنا وجدت كف يد تتحرك أعلي السور عند حدود الشباك .. و بدأت همت تتحدث مع عماد معتمدة علي رؤيتها ليده و بدأت يده تجسد ما يقوله لسانه
انت فين ان مش شايفك
بس خلاص استني زي ما انت أمنا شايفة ايدك .. هيه دي أودتي
و أنا ها شوفك ازاي؟
مش هاتقدر تشوفني عشان السور عالي
طب انتي عاملة ايه؟
انا كويسة بس مافيش حد عاوز يأكلني و لا يشربني
و بعدين
محمود جاي الساعة اتنين عشان يغديني
طب مش عاوزة حاجة
ربنا يخليك يا عماد
مع السلامة
لم أصدق ما سمعته عيناي ..... لقد كان السيد عماد يحادث همت من خارج الحجرة و لا الشباك عالي جداً فقد حدثها دون ان يراها و كانت يداه تتحركان مع حواره مع همت بنفس الحالة التي يمكن أن نشاهدها في مسرح العرائس.
لم يمضي وقت طويل علي هذه الحالة حتي جاءن اسماعيل ليصب في أذني خبر موت همت ، اصابتني لحظتها نوبة من الصمت المميت المصحوبة بالاكتئاب الحاد .. كانت هنا الآن .. لم تعد كذل .. قبعت صورتها و هي جالسة علي الكرسي المتحرك أمام باب غرفتي في ذهني لم تغادره أحسست بأنفاسي تصارع صدري للخروج منه .. احسست بضيق يخنقني .. شعرت بحرارة عالية لفحت كل لأأجزاء جسدي المتهدل بالرغم من جهاز التكييف القابع علي حائط الغرفة والذي يصم صوته العالي اذني ... حاولت ان ابدو متماسكاً .. جررت قداماي و خرجت من الغرفة متوجهاً إلي غرفة محمد يسري التي تواجه غرفة همت من الناحية الأخري .. لم يكن محمد يسري يعرف بخبر الوفاة ... طلبت من زوجته الا تخبره .. فأنا أعرف وقع هذا الخبر عليه ... أشفقت علي الرجل من ان يعش ما اشعر أنا به الآن ...  كان الجو العام في القسم خانق .. يلوح الموت بتجنحته علي كل ركن فيه .. جلست علي طرف السرير المجاور لسرير محمد يسري .. سرير محمد العمروسي سابقاً .. نظرت إلي زوجة عم محمد – هكذا اعتدت ان انادي علي محمد يسري – كنت أرقب ما يحدث علي الجانب الآخر .. جاء عمال المشرحة كي يأخذوا جثة همت ... كانوا جميعاً يرتدون زي موحد كحلي اللون ... كئيب المنظر .. أرتسم الموت علي سحناتهم جميعاً .. كانوا متبلدو المشاعر من كثرة ما حملوا من جثث ... ارتعشت كافة أجزاء جسدي من هول المنظر ,.. ماذا سأفعل أذن و هم خارجون بها ... لم أنجح في الاقتراب من الغرفة .. ظللت ملتصقاً بسرير محمد العمروسي .. و من حين لآخهر أزج براسي نح الباب .. و فجاء اصطدمت عيني بالتروللي و هم خارجون بها .. جنازة صامتة .. كانه مشهد من فيلم سينمائي .. لا يمكن ان يحمل الواقع كل هذه القسوة المرعبة .... حفر المنظر في راسي كأنها لقطة أستقرت في ذاكرتي و رفضت الخروج ... كان هناك اربعة رجال جاءوا ليحملوها من علي السرير و يضعوها علي التروللي فقد كانت ضخمة الجثة ثقيلة الوزن .. و ازدادت ثقلاً بعد موتها ... ودثروا جسدها بملاءة بيضاء .. رأيتها علي التروللي .. كانت كجبل أبيض راكض علي التروللي .. رايتها في هذه اللحظة و هي تحادث عماد .... و هي تصرخ و تطلب أن تدخل الحمام و هي تنادي علي زينب لكي تعطيها الدواء .. و لكن الممرضات لم يجبن اي من طلباتها هذه المرة فقد كن يمشين خلف التروللي و هم يشبعون هنت غلي المشرحة بدموعهم الصادقة ... لأنهن في النهاية بشر.


محمد يسري و محمد العمروسي ... محمدين مع الفارق
كتب علي غرفة محمد يسري ان نسبة حروقه 55% وأنه مصاب بارتفاع في ضغط الدم و التهاب في الشعب الهوائية و كانت حروق محمد يسري تتركز في الكوعين و الكفين و كعب الرجل و بعض أجزاء من الظهر و لفحات في الوجه ..  لم تسعفه اصاباته الكبيرة من التحرك ... خاصة في الايام الأولي من دخولنا المستشفي .. و بالرغم من ان محمد يسري من فناني الإسكندرية الكبار إلا ان الحظ لم يسعدني برؤيت علي خشبة المسرح إلا قبل الحادثة بشهور بسيطة  و كان ذلك من خلال عرض حلم ليلةصيف للراحل ياسر يس ثم عرض زيارة السيدة العجوز من اخراج الصديق ايمن الخشاب و قد أبلي يسري بلاءً حسناً في الدورين .. كنت اعلم انه يقتسم الغرفة المواجهة لغرفتي مع محمد العمروسي و هو ممثل شاب و ابوه هو سعيد العمروسي و هو من اهم ممثلين الاسكندرية في القترة الحالية ...
أما حالة محمد العمروسي فكانت طفيفة متركزة في الذراعين و كلها حروق من الدرجة الاولي لم تحتج لعمليات ترقيع و خلافه .. و قد حمدنا الله علي هذه النعمة لأنه في النهاية شاب ما يزال في مقتبل العمنر و كفانا ما فقدناه من شباب في هذه المحرقة ... كان محمد العمروسي هو اكثرنا قدرة علي الحركة .. و لكنه كان دائم التذمر يشكو من نقص الادوية و يشاكس الاطكباء بما فيهم مدير المستشفي وكان رجلاً بكل ما تحما الكلمة من معني و لم يكن يقبل المهادنة أبداص إلا مع الممرضلا اللاتء اعتبرهن العمروس يفاكهة المستشفي الذي تجب عليه رعايتها بكل ما اوتي من جاذبية.
و بالرغم من تماثل العمروسي للشفاء إلا أنه لم يغادلر المستشفي لسببين في غاية الاهمية .. الأول هو خوفه من الألم النفسي الذي سيصيب محمد يسرير من جراء الوحدة التي سيخلفها مغادرة العمروسي للمستشفي و بالتالي للغرفوة التي يقتسماها .. و الثاني ان العمروسي نفسه سيحرم من لحظات دهان الكريم التي يقوم له بها مجموعة من الممرضات المتخصصات في الدههانات ... فالمشهد المعتاد في الليل .. أن تمر من أمام غرفة العمروسي و محمد يسري .. فتجد العمروسي نائماً علي ظهره راعلً يده لأعلي و بجوار السرير تجلس ممرضة ما علي كرسي و تقوم بدهان الكريمات علي يد العمروسي ووجهه .. في حين يتحمل محمد يسري مشقة تهيئة المناخ العام بموسيقاه التي يصدرها من خياشيمه ... و بدلاً من أن يقدر العمروسي للرجل جهوده الشاقة قام بتسجيل شخيره علي الموبايل و أخذ في اذاعته لكل المستشفي بشكل مستمر ....
كان محمد يسري مثالاً للرجل شديد العزم ... كان مثالاً يضربه الدكتور نبيل للجميع .. فهو يأكل و يشرب و يتحرك بقدر الامكان و هذا هو ما ساعده علي تجاوز محنته و الخروج منها بسلام ...
في رمضان جاءني محمد يسري جالساً علي الكرسي لالمتحرك الذي تدفعه زوجته – و هي سيدة فاضلة تحملت الكثير من الالآم خلال مرافقتها لزوجها – دخل الغرفة منادياً .. يا أهل الدار   - زائر لكم .. و دخل غرفتي .. و اخذ يتحدث معي كثيراً .. ساعدتني ابتسامته علي تجاوز الكثير من المحن النفسية ... ولا يمكن أن أنسي هذه الافيهات التي القي بها في وجوهنا يوم الاحتفال بعيد ميلادج التوأم ... أعد أيمن الخشاب لهذا الحفل بالتعاونمع مني ابو سديرة و عمر  قابيل و جاء عاطف ابو شهبة من الغسكندرية بمسرح العرائس و وقفت أنا بالداخل لأشاهد فقرات مسرح العرائس ثم احسست بتعب و خرجت من الغرفة لأجد محمد يسري واقفاً بالخارج .. فطلبت منه أن يدخل و كما كان منه غلا أن تقمص دور الخائف و قال ... تاني ؟ المنظر ده انا شفته قبل كده .. عرض و جمهولر .. و كمان بالونات تفرقع و شموع والعة .. لا لا.. مش عاوز ... و عندها انفجر الجميع في الضحك ... وفي رمضان أدخل محمد يسري تقليد يومي علينا فلابد من أن نفطر في غرفته أنا و هو و العمروسي بعد أن يفرغ المرافقون الصائمون من فطارهم و في السحور لابدج و ان تذهب زوجته و تشتري الفول و الجبنة القريش و العيش الأسمر لنتاول جميعاً السحور معه ... كانت لحظات جميلة تعيننا علي تحمل ما في النهار من احباطات .


 من الكحت إلي الترقيع يا قلبي لا تحزن
 دخلت غرفة العمليات بمستشفي السلام ثلاثة مرات ...كانت المرة الأولي بعد حوالي أسبوعين من دخولي المستشفي و كانت بهدف كحت الصديد الذي تراكم علي يداي و الذي لم تستطع فظاظة نوال ان تنهيه.
جاء الدكتور نبيل حوالي الساعة الثانية ظهراً قبل ان يغادر المستشفي
جهز نفسك ... بكرة هاتدخل العمليات ... هاتصوم نمن الساعة عشرة ممنوع تآكل .. ممنوع تشرب .. قسم الأشعة ها يعملوزا لك أشعة علي الصدر .. و ها تعمل تحاليل دم ... و ها نتابع الضغط و الحرارة باستمرار
قال هذه التعليمات و خرج ... و بدأت غرفة العمليات و ما بها من آلات تهاجم رأسي ... تذكرت المشارط و المقصات و العمليات الجراحية التي يمةت فيها ناس نتيجة الأخطاء الطبية  تذكرت لاعب المقاولون ناصر محمد علي الذي مات في حجرة العمليات بالرغم من انه كان يقوم بعمل عملية جراحية بسيطة ، تلاعبت امام عينيا المقصات الطبية و الفوط التي ينساها الاطباء في أجساد مرضاهم .. و تداعت في رأسي كل المشاكل التي أعرفها و التي لا أعرفها ، و دخلت مروة الحجرة و أنا علي هذه الحالة من التوتر
ابسط يا بيج بوص ها تخش البعكوكة بكرة ... مبسووط يا عم ؟
طبعاً ... ربنا يعديها علي خير ....
دي عملية بسيطة وز لا يمكن هاتحس بحاجة ... روق ... روق.....
المهم تنفذ تعليمات الدكتور ... يلا قوم كل عشان فيه صيام من الساعة عشرة ...
شكراً ماليش نفس ..
لازم تاكل ... هاتجوع بالليل

ما تقلقيش ...
فقدت رغبتي في الطعام .. في الشراب ... ألقي اليأس بظلاله علي المكان ... حاولت أن أستمد الشجاعة من اي شيئ حولي ... فوجدتني صوت صلاح جاهين يرن في أذني مردداً رباعيته الجميلة عن الصبر
صبرك و يأسك بين ايديك و انت حر
ايأس ما تيأس الحياة راح تمر
أنا شفت من ده و ده لقيت الصبر مر
و برضك اليأس مر
و عجبي
بعد قليل فتح باب الغرفة و هالني ما رأيت ... جهاز ضخم يدفعه ممرضان ... دخل الجهاز الغرفة و سمعت صوت احدهما
يلا قوم عشان نعمل لك أشعة الصدر
و خرجا و تركا الغرفة أكثر من ساعتين ثم دخل فني الاشعة الغرفة و طلب مني الوقوف ... فوقفت بصعوبة بالغة .. كانت قدماي متذمرتان ترفضان حملي ... تحاملت .. تعاملت مع الموقف .... انتهت الاشعة بعد معاناة ... ثم تلتها معاناة سحب عينات الدم ... و ما هي إلا ساعات و ستشرق شمس يوم جديد ... لا أعلم لإإن لي أن اشاهد إشراقة شمس غيرها ... جاء الخشاب ... حاول أن يهدئ نت قلقي ..
كانت ساعات الليل تمضي متثاقلة ... أحسست ببلل في كتفي ... رفعت يدي .. فوجدت الصديد الأصفريتساقط أمام عيني ... جنقتني دموعي . حاولت السيطرة عليها .. و ناديت بصوت مكتوم علي صابحة التي هرولت مسرعة لتراني رافعاً يدي لأعلي ...
فيه غيه
حبة صديد
ما تقلقش .. حالاً أمسحهم و أحط لك شاشا و غيار جديد
و غادرت الغرفة ثم عادت بعد لحظات  بالغيارات و الشاشا و البلاستر ... مسحت الصديد وأضافت غيار جديد علي نهاية ذراعي من قرب الكتف ....
كده أحسن؟
شكراً
لا شكر علي واجب
و مضت ... لكن ساعات الليل الطويل لا تمضي ... حاولت أن ازج بأفكار متفائلة إلي عقلي .. لكن هيهات أن يطيع عقلي اصواتها ....لقد ماتت الأفكار الجميلة تحت اقدان الكم الرهيب من الافكار السوداء التي أخذت تغزو رأسي.
بالطول و العرض و الارتفاع و بكل الابعاد الهندسية ..... مضت الساعات متثاقلة .. حتي جاء النهار بطاقم الاطباء و التمريض ... كنت كلما سمعت خطوات أهم بأن أقوم كي أستعد للذهاب إلي غرفة العمليات ... أحسست بالتوتر و القلق ... و فجأة سمعت صوت الدكتورة سهير بالخارج
يلا  هاتوا محمود علي العمليات
ايه ده ... مش أنا ... انا سمعت صح ..
و اخذت أنادي
مروة ... مروة ..... مروة     
و دخلت مروة مسرعة
ايه يا مروة .. انا مش ها دخل العمليات ....؟
هاتدخل
امال انا سامع الدكتورة سهير بتقول هاتوا محمود
ايوة هو ها يدخل الاول و انت هاتدخل بعده
حرام عليكم أنا أعصابي بتتحرق
معلش هو صغير و انت الكبير و لازم تستحمل
لم أستطع أن انجادل فهي محقة بالتأكيد .. محمود اولي مني لأنه في النهاية طفل لكني أكاد احترق قلقاً .. تحاملت و انتظرت .. لكن الموضوع طول ....كانت أذني متجهة إلي الخارج بتركيز شديد ... و اخيراً جاءت الكلمات التي أنتظرها ... محمود خرج ... و ناديت علي مروة و سألته
يلا ... آجي ؟
لأ
ليه؟
اصل الوقت أتأخر و الدكتور لازم يمش
و العملية
مش مشكلة هاتعملها بكرة
لكن ؟
اكيد انت جعان ... يلا عشان تآكل
و اظلمت الدنيا في وجهي .. معقولة .. بعد كل الانتظار ده ؟ هو ما فيش مراعاة لاي ظرف انساني ؟ طيب ... حد ييجي يكلمني .. حد ييجي يفهمني ... حرام عليكم ... حرام ... ووجدتني أكرر الكلمة بداخلي حتي انجرت في البكاء ... ساعتها ادركت المعني الحقيق للوحدة و تذكرت كلمات جان دارك ... نعم أنا وحيدة .. و لكن ما وحدتي بجانب وحدة الله ربي و أخذت ابتهالاتي إلي الله تتعالي بداخلي ... يارب ... يارب .. يارب الصبر.
في صباح اليوم التالي ... جاءت إالي مروة ..
يلا يا بيج بوص ... أودة العمليات في انتظارك يا باشا
ازاحت مروة الغطاء من علي جسدي الناحل ... أنزلت برجلي علي الأرض ...أحسست بأنني غير قادر علي الحركة ... كل الاشياء اتشحت بالسواد ... جرجرت قداماي .. توجهت بصحبة مروة أقدم رجلاً و أأخر الاخري كمن يقاد إلي حجرة الإعدام .... لم يكن هناك ما يشغلني في رحلتي من باب حجرتي إلي غرفة ال‘دام –أقصد غرفة العمليات- إلا باسنت و عبد الرحمن ...و تذكرت ساعتها كل الاطفال اليتامي ... هل يمكن أن ينضم عبد الرحمن إلي طابور اليتامي الآن .. و هو لم يحفر ملامحي بعد في ذاكرته؟ و عندما يسألوه عن شكل أبيه بعدما يكبر يرد بعفوية .. لا أذكر شكله فقد مات ابي عندما كنت في الثانية من عمري ... هل يمكن أن تجلس باسنت وحيدة في غرفتها يبكي أبيها الذي مات ؟ هل يمكن أن تقضي أوقاتاً طويلة تجتر زكرياتنا معاً و نحن نتناقش حول نوعية الهدية التي تسحقها بمناسبة نجاحها ؟ و عندما تأتي إلي شاكية عبد الرحمن الذي أخذ لعبتها فأربت علي كتفيها و اطبع قبلة علي جبينها و اقول لها .. تحملي يا بسبوسة فانت الكبيرة و هو ما زال صغيراً لا يعلم من امره شيئاً .....و ازدحمت راسي بهذه الافكار القاتمة ...

       في داخل غرفة العمليات يعمدون إلي كسر التوقع ... فتروللي العمليات كنز و لا يمكن ان تشعر بالراحة و أنت نائم عليه ... كما أن الباب الخارجي مفتوح يدخلون الناس إليه و هم ينتعلون أحذيتهم .... و يتسم المكان بالشفافية المفرطة .. لا أحد يخفي عن المريض شيئاً يمكنك ان تري بوضوح المقصات و المشارط و السرنجات و أدوات الجراحة الغريبة التي تلمحها عيناي للمرة الأولي في حياتي ... لم أستطع أن اخفي هلعي .. و لم استطع أن أمنع خيالي بالعبث مع هذه الأشياء و استعمالها للتعامل  مع جسدي بطريقة فيها من القسوة ما لايقل بشاعة عن صورتها الشاخصة أمام عيني .. كل هذه الصور تتعارك في رأسي و الحوارات الغريبة تدور بين الجميع .. دخلت .. نمت علي التروللي بمساعدة الممرضة.. احترت في يداي .. لا أدري ماذا سيحدث لهما إن هما وقعتا مني بعد أن يسري المخدر في جسدي .. طلبت أن أضعهما في وضع مستقر فجاءوا بمنضدتين ووضعوهما بجانبي فأسندت يداي عليهما ...
بعد قليل دخل الدكتور نبيل ألقي بتعليماته علي الجميع .. ثم خرج .. ثم تبعته الممرضة .. و ظللت في غرفة العمليات نائماً علي ظهري في هذا الجو المشبع بكل ألوان التوتر و الترقب و الانتظار لمدة نصف ساعة علي الأقل .. بعدها دخل طبيب رأيته هذه المرة فقط و علمت منه أنه طبيب التخدير ... اتضح أنهم أدخلوني حجرة العمليات دون ان يأتي هو ... و كل هذا الوقت كانوا يبحثون عنه و يتعجلونه و لم يفكر أحدهم في أن يخرجني من هذا الكابوس المرعب لحين حضور جلالته ... جاء ... اتجه إلي .. قرأت الشهادتين ... قرأت ما تيسر لي من القرآن .. غرس حقنة المخدر في رقبتي ... رحت في عالم آخر.
أفقت من غفوتي لأجد يداي أثقل كثيراً مما كانت عليه ... حاولت أن أرفعهما ... لم اقوي علي ذلك .. حدثني أيمن الذي كان يجلس إلي جواري .. حاول أن يخفف عني آلامي .. كنت أشعر بأنني لا أعي جيداً ما يدور حولي ... فقد كانت صور الأشياء تتأرجح أمامي ... و لكني أفقت وعندما جاءني الدكتور نبيل شكوت إليه الألآم النفسية التي تعرضت لها من جراء الغاء العملية بالأمس و كذلك من تركي بمفردي في غرفة العمليات لمدة نصف ساعة فبرر الموقف بأنه بسبب طبيب التخدير و غادر الغرفة
لم تختلف عملية الكحت الثانية التي تمت بعد أسبوع عن العملية الأولي في حين اتسمت العملية الثالثة التي تمت فيها عملية الترقيع باختلافات جوهرية تركزت في طول فترة العملية و الالآم الشديدة التي تبعتها و خاصة في فخذي الأيسر حيث أخذت منه الرقعة الجلدية و تركت أنا مع آلامه التي استمرت اسبوعين و كانت مصحوبة بإفرازات دموية مستمرة كانت السبب الرئيسي لتغير ملاءات السرير بشكل دائم.
أفقت من العملية الثانية و أنا اصرخ من فرط الالم .. كان أيمن بجانبي ...كان فتحي إبراهيم أيضاً معي .. كان يبيت معي لمدة ليلتين و كان من المفروض أن يغادر صباح يوم العملية و لكنه لم يمض مسافراً إلا بعد أن تمت افاقتي ...هذه المرة الموضوع مختلف فلا يمكنني الآن أن أحرك ساقي اليسري .. لأنها كانت محاطة بالجبائر و الشاشا و اشياء أخري أحسست أنها تخنق ساقي .. و لكن يبق عجزي عن الحركة هو المحرك الفاعل لأحداث تلك الليلة.
كان أيمن يحبس دموعه ... لمحت بين نبرات صوته المتهدج .. خوفه و قلقله ... بكيت ... من فرط الألم ... طلبت مسكن للمرة الأولي ... فجاءوا به مسرعين و ألقوا به في وريد عنقي ..بدأت أرتاح قليلاً ... و لكن الألم عاد ليناغشني بعد لحظات قليلة .. بدأت الآهات تجد طريقها اليسير من فمي ... قال لي أيمن أنه بامكاني أن لآخذ جرعة المسكن الثانية .. و لكني رفضت خوفاً من أعتاد عليه أو أن أصبح مدمناً ... و آثرت أن يعتصرني الألم علي أن اسكن بمخدر ....



أيمن الخشاب – صديق وقت الضيق
في عام 1982 التحقت بكلية التجارة ... في اليوم الاول من الدراسة لم اذهب لكي أعرف جدول المحاضرات و انما سألت طوب الأرض عن فريق التمثيل فدلني أحدهم علي مكتب رعاية الشباب حيث وجدت الأستاذ عابد مخلوف و هو بمثابة الأب الروحي لجميع خرجي فريق كلية التجارة للفنون المسرحية منذ تأسيسه و حتي اليوم.
          في مكتب عابد مخلوف قابلت ايمن الخشاب .. كان قد تخرج من كلية التجارة وقتها و التحق بالجيش في أشارة الدفاع الجوي بدمنهو و كان عابد و ايمن بصدد تأسيس فريق للتمثسل المسرحي بالكلية ... أعجبني الجو ... أخذ الخشاب بحماسه المعتاد التجهيز لعدد من عروض الفصل الواحد .. كان منها بابا زعيم سياسي  لسعد الدين وهبة و أريدج ان اقتل لتوفيق الحكبم .. و بالرغم من أن هذين العرضين لم يكتب لهما الظهور علي خشبة المسرح غلا انمهما مثلتا الفرصة الكبيرة لي لتعلم فت التمثيل حيث كان  ايمن يقوم بدور المدرب و الرئيس و المخرج و الذي يحمل كل منهم طموحات لا حد لها لهذا الفريق الوليد في هذا الوقت اعتقد انه حققها جميعاً و كان اهمها ان يخرج هذا الفريق للحياة قادة طموحين و ليس تابعبن مستسلمين لواقعهم ..... منذ ذلك الوقت عرفت الخشاب .... و صرتل اصدقاء .. كنا معاً في الفريق .. في معهد جزته ... في المتجول بمسرح الغرفة بسيد درويش ... في مركز التصوير الضوئي .. مع وفاء عبد العزيز و آخرون .. كنا معاً في رحلات الفريق –خاصة غلي رشيد- .. كنا منعلً في كل مكان و في كل وقت ... أربع و عشرون عاماً من الصداقة الحقيقية لم يتخللها اية منغصات إلا في السنة السابقة للحادثة حيث راحت رحي الشياطين تدور حول رأس أيمن الذي استقبلها بترحاب شديد و لكني كنت دائماً اؤمن أن ه مهما عظمت هذه السحابة فستظل سحابة تنتهي مع اول أيام الخريف.شهدت مستشفي السلام العديد من المواقف التي لا يمكن ان انساها، فأيمن شخص يحب المبادئة و القيادة .. و هذا هو ما حاول دائماًَ أن يورثه لأعضاء فريق الفنون المسرحية بكلية التجارة.
بعد مرور ايام من دخولي مستشفي السلام أصبح أيمن هو الممثل لجميع المرافقين بدون انتخابات و لا تفويضات ، كل من له مشكلة من المرافقين مع إدارة المستشفي يجري إلي الدكتور ايمن ، التوأم يحتاجان إلي طبيب نفسي يجري أيمن ، محمد يسري يحتاج لأس شيئ  يجري أيمن ... العمروسي مش عاجبه مستوي الدجهن .. يجري أيمن ... أنا عندي مشكلة .. يجري ايمن ... ومن هنا كان ايمن يقضي الساعات الطوال متجولاً بين حجرات المرضي حتي أنني في أحد الأيام صرخت فيه و قلت له .. أنت جاي مرافق مع كل القسم مش معايا ....
           لدي الخشاب طاقة صبر هائلة .. و بالرغم من انه شخص ذو أعصاب ضعيفة للغاية إلا انه هادئ في غالبية الأوقات ... لا يمكن ان تسير الأمور علي علاتهتا مع الخشاب ففلابد من وضعع الخطط و تحديد المسارات و تسيير القطارات و ترميم العقارات و في النهاية لابد من اجراء المراجعات خزفا من الأشياء المنسيات ... حفلطة لا حد لها انعكست علي في تفاصيل يويم .. الخشاب يقرف .. فعندما يغطيني يمسك الملاية بطرف اصابعه لأنه قرفان ... عاوز آكل ياتي بالبقسماط الناشف و يقعه غلي أجزاء صغيرة ثم يخرج قطعة الجبن و يجزءها بحيث يضع علي كل قطعة بقسماط قطعة جبنة بنفس الحجم ثم يحاول ان يأكلني البقسماط بالجبن قطعة قطعة و بالشوكة
طب هات حتة لحد لما تخلص الباقي
لا .. النظام حلو الموضوع لازم يتم بشكل مرحلي .. نقطع البقسماط .. ثم نضع الجبن علي كل قطع البقسماط .. ثم أغسا ايدي .. و بعدين أطفحك ...
طب أنا جعان
ده سبب غير كافي لخرق النظام
لم يستجب قلبه لعبراتي المتواليات ... عندما يطعمني الخشاب  ... تخاله لاعب كرة قدم يجهز نفسه لتسديد ضربة جزاء و منظره و هو يلقي باللقمة في فمي تماماً كمن يسدد الضربة صوب المرمي ويالكثرة عددها تلك المرات التي أهدر فيها الخشاب ضربات الجزاء ...
و علي الرغم من ان الخشاب شخص انف ويقرف من اي شيئ إلا انه كثيراً ما قام بتصرفات ضدد طبيعته اذكر منها تلك المرة الأولي التي حلقت فيها ذقني .. كنت نائماً علي السرير و حلق الخشاب ذقني كاملة بكل ما فيها من شعر كثيف باستخدام مشرط الجراحة و في مدة لم تتجاوز الأربع ساعات فقط ... يا بلاش ، و حتي و هو يحلق ذقني كاتن كمن يشوط ضربة جزاء و يا لسعادته بكل خصلة شعر ينتزعها من ذقني ... كل هذه الضربات ذكرتني بأيام كنا نلعب تنس الطاولة في نادي التجارة و في الكلية كانت ضربة الخشاب للكرة بمضرب البنج لا تقل براعة عن ضرباتته الجزائية البارعة في المستشفي.
ظل ايمن بالمستشفي شهراً كاملاً ... منها ثلاثة أسابيع كانت الدراسة بالكلية قد بدأت فيها  رفض خلالها لكل محاولات أصدقائنا بأقصائه من مكانه بالمستشفي ، و نزل إلي الإسكندرية ليعود و ييبقي معي عشرة أيام أخري كنت اشعر انه يتمني أنم يراني أمضي من هذا المكان علي قدمي الآ، و لمحت في عينيه مشاعر الندم علي كل ساعة قضيناها متخاصمين ... يااااه ... هو الموت قريب كده ؟
حكي لي أيمن عن مشاعره تجاه الحادثة و كيف علم بها
أحياناً كنت أطلب منه شيئاً كأن يضبط ملاءة السرير علي جسدي و لأنه ليس صاحب خبرة كبيرة في الأعمال المنزلية فقد يستغرق وقتاً طويلاً لدرجة كان ينفذ معها صبري فيعلو صوتي .. و لم يعترض أيمن أو يمتعض يوماً ما , انما تحمل عصبيتي الزائدة و قدر حالتي النفسية و امتص غضبي كثيراً.
عندما قرر الطبيب خروجي اصر أيمن علي أن يصحبني للمنزل ، كان بالإسكندرية فعاد إلي القاهرة و رجع معي إلي الإسكندرية مرة أخري ... أحسست بخوفه علي وقلقه واضرابه في كل مرة أدخل فيها غرفة العمليات ....... كم من مرة بكي فيها الخشاب فور خروجي من غرفة العمليات و كم من مرة حاول أن يكبت فيها دموعه و يرسم علي وجهه ابتسامة كاذبة لكي يطمئني، و في كل مرة أنادي عليه في لحظات افاقاتي البسيطة لكي يسقيني الماء... كان ايمن هو الأقرب لي في جميع لحظات حياتي التي اتسمت بالخوف و الخطر ... أذكر الآن ليلة نمت فيها في بيته ... كنت أتعرض لأزمة كبيرة و لم أجد سواه يحتضنني و لا يفارقني إلا بعد انتهاء المشكلة .... و قبل الحريق كنا في خصام طويل ... جلسنا جلسة صفاء .. و لكن كان يبدو أننا في حاجة لوقت طويل حتي تهدأ النفوس لكن حريق بني سويف حرق معه كل أسباب الجفاء .. نسي أيمن كل شيئ إلا اننا أصدقاء فهرول إلي يحمل خوفه و قلقه و اضطرابه.
عندما خرجت من المستشفي جاء أيمن و طلب مني النزول إلي مكتبي ، تحاملت و ذهبت و ما ان فتح أيمن باب المكتب إلا و أجد حشد من اصدقائنا اعدوا لاحتفال كريم بي ... كان وراء هذا السلوك الإنساني أيمن ،و ذهبت إلي الكلية وجدت لافتات تهنئة بنجاتي من الحادثة ، كان وراء هذه اللفتة الإنسانية الكريمة أمن ، بعد أيام دعاني أيمن لحفل افطار فريق المسرح بكلية التجارة و دخلت لأجد أكثر من خمسين فرداً ينتظمون في صفين و يصفقون بفرحة و حرارة فرحين بعوجدتي سالماً ... كان وراء هذا الموقف الذي أقشعر له بدني طويلاً ..ايمن ، و بعدها باياكم دعاني أيمن لحفل افطار القسم و بعد الافطار قدم أيمن للحفل و اشار إلي أنه يقام علي شرفي بمناسبة نجاتي من الحريق ... لا أستطيع ان اصف فرحتي و دموعي التي انسابت كنهر جارف عندما قابل الحضور ذكر اسمي بعاصفة من التصفيق و الصفير ... كان وراء هذه اللمسة الخالدة أيمن الخشاب و دكتورة صوفيا عباس.




خالد السعدني – رجل من بقايا الزمن الجميل
      كان خالد السعدني واحداً من أعضاء فريق كلية التجارة للفنون المسرحية .. التحق خالد بالفريق في العام التالي لالتحاقي به ، و كانت السمة المميزة للسعدني أنه دائم البحث عن المعرفة و كثير الأسئلة بشكل يفوق الاحتمال ، وقتها كنا نأخذ هذا الأمر علي انه نوع من "الغتاتة" ... لكن بعد أنت حط بنا الزمن في محطات حياتية كثيرة أدركنا كلنا أن خالد باحث عن المعرفة و العلم و هو حق مشروع لكل انسان حتي و إن اختلفت سبلنا في سبيل تحقيق هذه الغاية  ، علي الجانب الآخر و من خلال تركم خبرات السنين ... رأي الجميع أن خالد السعدني هو رجل متشدد في قيمه الاخلاقية  ... وأنه يفقد الكثير من الفرص الحياتية بسبب هذا التزمت في التمسك بالمبدأ .. و هي أشياء راي البعض أنها أثرت علي وظيفته كمدير للمبيعات .. الأمر العادي أن مدير المبيعات يسعي نحو تعظيم المبيعات حتي لو كان يبيع للزبون نوعاً من السلع تتعدي امكانياته ما يحتاجه الزبون .. أمنا عند السعدني فالأمر مختلف لنه لن يسمح لعميل أن يأخذ سلعة لا يحتاجها و لا مواصفات جهاز تتعدي ما يحتاجه و هذا السلوك و إن تسبب في تقليص رقم المبيعات لكنه بالضرورة عظم من عدد الناس الذين كنوا للسعدني التقدير و الحب و أولوه ثقتهم.
من هذه الزاوية كان اختلافي الدائم مع خالد فأنا شخص مسرف بطبعي و أحب أن أحصل علي أحدث مواصفات لأجهزة الكومبيوتر بغض النظر عن احتياجي الفعلي لها ، بينما يصر خالد دائماً أن يشتري لي ما أحتاجه فقط و ياريت اقل شوية .. و لم يقتصر الأمر علي الكومبيوتر و أنما علي كل ما يتعلق بالأجهزة التي يفهم فيها السعدني و يلكثرتها.!!!!
جاء خالد ليرافقني بالمستشفي بالتبادل مع أيمن الخشاب و قد قابلت ذلك بارتياح بالغ لأسباب عديدة أهمها اني أرتاح لخالد علي المستوي الإنساني تماماً مثلما أرتاح لأيمن و ثانيهما أن وجود خالد بالمستشفي سيمنح أيمن فرصة للراحة و العودة غلي الإسكندرية لمتابعة عمله بالكلية.
في التعامل اليومي بالمستشفي كان خالد علي النقيض تنمتماً من الخشاب فهو لا يقرف و شخص مبتكر بطبعه خاصة فيما يتعلق بالأدوات الوظيفية و اذكر علي سبيل المثال لا الحصر أنني كان و لابد أن أرفع يداي لأعلي أثناء النوم حتي يقل الورم الموجود بالكفين و و لا يوجد بالمستشفي أدوات لرفع اليدين فما كان من خالد غلا ان احضر كيس مخدة و استخدم حامل المحاليل ليصنع جامل ليدي أريح من اي أدوات صناعية تفي بالغرض ذاته و ما أن راي باقي المرضي الفكرة إلا و طلبوا خالد ليعمم الفكرة في القسم بأكمله.



مؤمن مات
     كان مؤمن يجلس علي الأرض أمامي عندما شب الحريق ، و في مستشفي بني سويف العام كان مؤمن ينام علي السرير المواجه لي و لكن القدر فرقنا  حين تمت عملية نقلنا من مستشفي بني سويف العام جيث ذهبت أنا إلي مستشفي الهرم و منها إلي السلام في حين استقر المقام بمؤمن بمستشفي الحلمية.
كنت دائم السؤال علي مؤمن و كانت جميع المقدمات تقول إنه سيغادر المستشفي بعد عادل حسان مباشرة، ذهب الخشاب لزيارة مؤمن و عندما سألته عن أحواله طمئنني و قال إنه أجريت له عملية ترقيع في رقبته و أن حالته مستقرة ،  و تمضي الأيام و اعلم أن عادل حسان خرج و مؤمن سيخرج بعد أسبوع علي أكثر تقدير.... حاولت كثيراً الاتصال بمؤمن تليفونياً لكن الجميع اخبروني بأن التليفونات المحمولة غير مصرح باستخدامها داخل مستشفي الحلمية ...  و اعتمدت في سبيل اطمئناني علي مؤمن علي تلك الشذرات من الاخبار التي أتنسمها من زواري الذي يزورون مؤمن و دائماً ما كانت الأخبار تأتي مطمئنة مبيشرة بقرب خروجه من المستشفي .

    في أحد الايام جاء شخص ما ليزورني .. كان أحد أعضاء فريق التجارة القديم ... دخل و معه أحد اصدقائه .. أجتهدت كثيراً لكي أعرف اسمه و لكن دون جدوي ... تحدثت معه و وقفت رحي الحديث في محطات كثيرة وأنا أجاهد في سبيل معرفة اسمه لكن دون الوصول إلي أية نتيجة ... وكان يتحدث عن أشياء كثيرة تخص الأيام الجميلة التي قضيناها في فريق المسرح بالكلية ثم انتقل إلي الحادثة و الأصدقاء الذي فقدتهم الإسكندرية و أخذ يعدد أسمائهم و فجاءة ألقي باسم مؤمن ضمن الموتي ... ولم أجتهد في أن أقول له ... لا دي غلطة ... مؤمن عايش الحمد لله ...يا راجل خضتني .. مش قصدك علي الخبر اللي اتنشر في الجرايد .. ده خبر كله غلط في غلط .. تخيل انهم كانوا كاتبين اسمي أنا و مؤمن ضمن الوفيات ... ؟
و ارتسمت ملامح الدهشة علي وجه الوافد السكندري و لم يستطع إلا أن يشكك في معلومات الصحافة التي لا تتحري الدقة عند نشر معلومات بهذا القدر من الخطورة ... و انتهت الزيارة و لم تنتهي مخاوفي .... أحسست بانقباضة تعتصر قلبي و بالآم تفتك برأسي .. لم يطاوعني عقلي علي المضي قدماً في طريق التصديق علي فقدان مؤمن .... لكن قلبي ابي إلا أن يدق طبول الحزن .. وتسارعت دقاته لتعزف لحناً جنائزياً صارخاً .. اتشحت الأشياء بالسواد الداكن ... ولم أجد بداً من أن أجري إلي تليفوني المحمول و أكافح عجزي يدي .. حتي أتمكن من طلب ايمن الخشاب علي التليفون ... و لكن رنات التليفون التي لم تخترق بلفظة آلوه من الطرف الآخر .. أخذت تعوي هي الأخري في أذني و كأنها تنوح علي مؤمن ....و يأست .. فطلبت إبراهيم الفرن الذي جاء صوته علي الجانب الآخر نشطاً ملرحاً
ايه يا باشا .. أخبار معاليك إيه؟
قولي يا ابراهيم .. هو صحيح مؤمن مات
يا أخي حرام عليك ... فال الله و لا فالك ... ده احنا كنا عنده امبارح .. و الراجل زي الفل ... ده خلاص طالع الاسبوع الجاي .. ها يطلع و ييجي يزورك عشان تتطمن عليه بنفسك
اصل واحد - منه لله بقه – جالي و قاللي ان مؤمن مات .. بس انا قولت له انها غلطة صحافة .. و حتي قولت له ان اسمي أنا شخصياً كان منشور مع مؤمن ضمن الوفيات
طب لما انت عارف كده ... بتلبشنس أنا ليه ؟؟ بكرة انت كمان تخرج بعد مؤمن و نقعد سوي نشيش علي الحلمية و نكمل مهرجان اسكندراما و نعمل افتتاح المحل .. روق يا جيمي ...
شكراً يا ابراهيم .. الحمد لله انك طمنتني .....
و أغلقت سماعة الهاتف لكن قلبي لا يصدق ان مؤمن بخير .... طلبت من فتحي أن يتصل بمؤمن بمؤمن و لكن الهاتف كان خارج نطاق الخدمة ...... جاءت الرسالة الصوتية بمثابة دقات طبول جنائزية .. اختلج قلبي .... رجوت فتحي أن يتصل بالخشاب و عاودت هذه الرسالة اللعينة الخبط علي مسامعي ... لم اجد بداً من تكرار المحاولات علي تليفون مؤمن لكنه لم يستجب ..ز رجوت الله أن يطمئني عليه .. أن أسمع حتي فحيح أنفاسه ... دون جدوي .. اتصلت بأصدقاء كثيرون من خلال فتحي لأني لم أكن استطيع أن أمسك التليفون و لا ان أستخدم أزراره  .. من عثرت عليه منهم .. طمأنني أن مؤمن بخير و انه خارج من المستشفي لا محالة .......... أخذ فتحي يؤكد لي هو الآخر أن مؤمن بخير ...و أخذ يشدد علي أن الصحف تخطأ أحيانا أخطاءً قاتلة ... و أخذ يتعجب .. كيف يكتبون اسم شخص حي بين الأموات ... و ارتحت لهذه النغمة و أخذت أصب معه اللعنات علي الصحافة و الصحفيين .... بعد قليل دخلت إلي حجرة محمد يسري كان يتناول طعامه .. قصصت له ما سمعت .. و الغريبة أنه أخذ يطمأنني هو الآخر ... و اخذ الجميع يرسمون جواً مرحاً في أرجاء المكان .. لكني لم أستطع أن أجاريهم في هذا الجو السعيد .. فلما سألني فتحي عن سبب همي ... قلت له أن وقع الصدمة كان كبير حتي أني رغم تأكدي من كذب الخبر إلا ان أثر الصدمة ما زال يزلزل كياني ... فضحكوا جميعا و اتهموني بأنني شخصاً نكدياً ... و حاولت أن أرسم علي وجهي ابتسامات مزيفة ... حتي انقضت الليلة.
بعد قرابة أسبوعين كان يزورني بعض الأصدقاء من الإسكندرية و كان منهم الصديق وصال عبد العزيز .. كان من المفترض أن يكون وصال معنا فيي بني سويف لأنه كان يشارك في عرض إبراهيم الفرن الذي كتبه مؤمن عبده .. و لظروف الجيش تأخهر وصال عن اللحاق بنا و تبني مؤمن الأمر فأتصل بصديقنا عادل حسان الذي تربطه علاقة قوية بضابط الوحدة التي يخد\م فيها وصال و ذلك للسماح له بالسفر إلي بني سويف و أداء دوره في العرض .. و فعلاً وافق الضابط علي سفر وصال و لكن بشرط أن يسافر في اليوم المقرر للعرض و هو يوم الثلاثاء الموافق 6/9/2005   .
جاء وصال و بدأ في سرد أخبار الجيش و الضباط و العساكر و في سياق الحديث تحدثنا عن عادل حسان
آه عادل حسان خرج من المستشفي
و أيه أخباره يا وصال ؟
تمام .... جروحه قربت تخف ...
ربنت يتمم شفاه ... كفاية اللي راحو
هو كمان انسان جميل
انت تعرفه من زمان بقه
لأ أبداً .. أنا مش قلت لك اني كان عندي مشكلة في الأجازة و هو اللي حلها ...
آه صحيح ...
ما أنت عارف إن مؤمن الله يرحمه هو اللي كان موصيه ... الله يرحمه .. و ....
و لم أسمع بعدها كلمة واحد ... تسمرت قدماي ... و
إذن مؤمن مات فعلا ً
ايه ده ... هو أنا عكيت .. أنا آسف ...
أمشي يا وصال ... امشي
طب ... امشي يا وصال
ربنا يرحمه .. مؤمن كان ...
خلاص .. سيبوني لوحدي ... و تركت الجميع و تحاملت علي قدماي حتي قادتني إلي حجرتي و ألقيت بجسدي المتهدل علي السرير و روحت في نوبة بكاء ...
يعني مؤمن مات ....
كيف أستطاع كل هؤلاء أن يخدعونني ... يعني مؤمن مات
و أنهتالرت سيول الدموع تبلل وجهي
كيف استطاع ابراهيم الفرن و فتحي و كل الأخرين أن يقنعونني بأن مؤمن حي يرزق ؟
لكنك يا قلبي لن تصدق هذه الأكذوبة .. طب يمكن أنا دلوقتي بئأحلم ... لا .. لقد قالها وصال بعفوية بالغة .. قال مؤمن ألله يرحمه ... يعني مؤمن مات ...
علمت بعدها أن أيمن الخشاب كان المايسترو لهذه الأكذوبة التي عزفها الجميع .. اتصل بفتحي و أخبره بأن يلقن كل من أطلبهم ألا يذكروا موت مؤمن ...  يآآآآآآآه .. مؤمن ماااااااااااااااااااااات


وبعد،
كل ما سبق هو مشروع كتاب يمثل شهادتي عن الحادثة .... كنت قد حددت موضوعات أخرى للكتابة فيها، ولم استطع لأسباب نفسية .... أتمنى أن أستطيع الكتابة فيها يوماً ما
.


الموضوعات هي:
وأخيراً لبست تي شيرت و بنطلون

رمضان جانا أهلاً رمضان ...

عادل جابر و فتحي إبراهيم ... أصدقاء

أسرتي و الحادثة

صلاة الفجرفي المسجد للمرة الأولي بعد الحادثة

رحلة العودة إلي الإسكندرية و مقابلة أسرتي للمرة الأولي

حفل أفطار تجارة و قسم المسرح و استقبالي في الكلية

سنة تانية مسرح أبناء ما بعد الحادثة

محمود و أحمد صلاح حامد – حالة شديدة الإنسانية

هناك تعليق واحد:

  1. تقريبا ساعة او اكتر بقرأ التدوينة
    أصعب شئ ف الحكي التفاصيل
    وهنا بنتكلم مش علي تفاصيل
    بنتكلم علي تفاصيل التفاصيل
    البشر
    التداعي الحر للافكار بمجرد ان نقول اسم
    الارتباط الشرطي بالمكان والناس والكلام وحتي الروائح

    اكتر شئ يوجع اكتر من المأساءة
    ولا اي شئ
    لا اي شئ حصل
    وزير ثقافة اتقاله ارمي ورا دهرك
    حتي التقدير المعنوي لم يتم
    من قبل الدولة
    لا شئ لا اي شئ
    مجرد كلام ولا حتي كلام
    لا شئ

    النار اللي انا متأكد انها لسه موجودة جوه حضرتك
    وجوه قلب الاهالي
    الوجع اللي هيجي ف الشهر دا
    كل مرة
    انا مش عارف اقول ايه ولا اقدر اعمل ولا حتي اتكلم عن ايه ,
    يمكن مكنش ليا تعامل باغلب الناس الا حضرتك ود ايمن ووصال
    لكن بكيت يومها لما عرفت
    حسيت بالقهرة
    حسيت بالعجز
    نفس الشعور حسيته يوم مجزرة بورسعيد
    ناس رايحه تشجع كورة ماتت
    ناس رايحه تمثل ماتت
    حبة اهتمام
    فوران
    ثم
    ......
    ربنا كبير
    مصدق كمان انه ساب حضرتك لسبب
    وساب الناس اللي قربت من الموت لسبب
    يمكن حضرتك تكون سبب من احد الاسباب ان دا ميتكررش
    ممكن حاجات كتيره قوي
    الله واعلم
    بس اكيد فيه سبب

    رحمة الله عليهم
    وعلي كافة شهداء بلادنا

    ردحذف